ان الاجواء اليوم لا تقل تلبدا عن تلك الاجواء التي سادت قبل كل حرب من الحروب العربية الاسرائيلية السابقة، وما نراه اليوم هو التمهيد الذي يقوم به رئيس وزراء اسرائيل شارون لهذه الحرب وانتظاره لعملية كبيرة تساعده على تبرير حرب جديدة. وعلى الاغلب اصبح الإعداد لهذه الحرب وترتيب اهدافها وعملية السير باتجاهها امرا يصعب ايقافه، بل المتبقى الآن هو حشد الدعم والتأييد الدولي لصالحها. ويساعد هذا الوضع عدة عوامل من اهمها الوضع الاسرائيلي الذي يجمع الآن على حرب جديدة ضد الفلسطينيين، الوضع العربي الضعيف والمفكك، الوضع الدولي المجمد والمحدود التأثير، الوضع الامريكي الذي لم يعرف كيف يتعامل مع احداث الاراضي المحتلة. لهذا فالسؤال ليس: هل تقع الحرب ام لا تقع؟ ولكن السؤال: متى ستقع الحرب التي يخطط ويمهد لها شارون بدراية ودقة وكم سيكون عدد ضحاياها وما هي نتائجها فلسطينيا وعربيا؟ ان الحرب الاسرائيلية المقبلة هي تصعيد للحرب الراهنة على الشعب الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيكون الهدف منها خلق وقائع سياسية ومعنوية وعسكرية جديدة تنهي اوسلو وكل ما نتج عنه بما فيها محاولة اخراج الفلسطينيين من اطار الصراع بشكله المعروف. وستكون هذه الحرب حربا مكملة لحرب 1982 التي شنها شارون على منظمة التحرير في لبنان. وستأخذ هذه الحرب طابع متوسط في البداية، لكنها سرعان ما ستتحول الى طابع موسع يشمل كل من قطاع غزة والضفة الغربية. في الجوهر ستصب هذه الحرب في تصور شارون الاوسع لبناء اسرائيل الكبرى وستصب لصالح مزيد من التهويد والاستيطان والصراع مع العالم العربي. هذه الحرب هي معركة اسرائيل في اوائل القرن الجديد ضد الانتفاضة الثانية وضد التكاثر السكاني العربي في فلسطين. لهذا سيكون من اهداف هذه الحرب تهجير اعداد كبيرة من السكان الى خارج المناطق الفلسطينية باتجاه الاردن ومصر وانهاء الحلم الحالي بدولة فلسطينية. ويمكن الجزم بأن شارون يعمل على ترتيب الاجواء لصالح هذه الحرب، وهو قد تعلم من الحروب السابقة التي خاضها. فشارون قد حقق اصطفاف اليمين الاسرائيلي الى جانبه بل وتصادمه الجزئي معه لانه لم يقم بعملية كبيرة موسعة حتى الآن، لهذا فهو يسعى لمزيد من تأجيج اليمين بينما يبدو في موقف المعتدل والضابط لنفسه ولليمين مما يكسبه الموقف الامريكي ومواقف اطراف دولية عديدة، كما ان اليسار الاسرائيلي قد سلم معظم اسلحته السياسية وانعزل الى ابعد الحدود وفقد شعبيته لأنه فشل في تحقيق السلام في مواجهة الانتفاضة. في الجوهر اليمين واليسار في اسرائيل في خنادق متقاربة، الاول يريد المزيد من الرد وصولا للحرب، الثاني اصبح في مواقع الضعف، بينما نجد ان الرأي العام الاسرائيلي قد مال نحو اليمين ونحو الليكود والحلول العسكرية التي يطرحها. في هذا المجال يبرز شارون في اطار يسمح له بطرح نفسه (شكليا) في مواقع الاعتدال، وهذا يساعده على اخفاء توجهاته الحقيقية. هذا يعني ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الراهن لديه كل الدعم المطلوب داخليا للقيام بعمل كبير، وهو يعمل للمحافظة على هذا الدعم وزيادته وتعظيمه مستغلا الاعمال العسكرية الفلسطينية واستمرار الانتفاضة، كما انه يسعى لترتيب الدعم الدولي وعلى الاخص الامريكي، واستغلال الضعف العربي. بمعنى آخر ان شارون يسعى لتذليل العقد الرئيسية التي تمنعه من استخدام الجيش الاسرائيلي بصورة موسعة. ونجد على الصعيد الأمريكي، ان الادارة الأمريكية تتدخل بحدود، وهي غير متأكدة من قدرتها على التأثير على الصراع الراهن، في الجوهر الكونجرس الأمريكي يسير مع الليكود في تصوراته، واللوبي الاسرائيلي لديه قدرة كبيرة على تجيير الكثير من التوجهات في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لصالح اسرائيل، كما ان البيت الأبيض لن يدخل في مواجهة كبيرة مع اسرائيل خاصة اذا ما نجحت اسرائيل في اقناع البيت الأبيض انها تمارس سياسة التهدأة على مدى المرحلة المقبلة مع مقدرتها عى الاقناع بأن الرئيس الفلسطيني لا يسيطر على زمام الأمور وانه يساهم في مستوى العنف الحالي وبالتالي حتمية عملية عسكرية كبيرة. بمعنى آخر أصبحت سياسة شارون في عدم اللجوء لعمل كبير الآن هي السياسة التي تقنع أطراف سياسة دولية وأمريكية بأن اسرائيل تمارس ضبطا كبيرا للنفس، وهذه هي ذات الأطراف الدولية التي تسعى اسرائيل لتحيدها أو كسب دعمها في حال دخولها بمواجهة موسعة. ويزور العاصمة الأمريكية هذه الأيام الكثير من الوفود الاسرائيلية، إذ لا يمضي اسبوع إلا وهناك زائر مهم يشرح التصورات الاسرائيلية آخرهم وزير الدفاع الاسرائيلي. أما على الصعيد العربي الأوسع، فالضعف العربي يساهم في عملية الفتك بالوضع الفلسطيني، فكافة الوعود بدعم الانتفاضة محدودة، كما ان كافة الأحاديث والتصريحات العربية عن الدعم محدودة. بل ان الموقف العربي يبقى أقل من أن يؤثر جوهريا في الموقف العسكري والسياسي في الجوهر، الوضع العربي، مفكك، وغير قدر على تحقيق أي تهديد حقيقي عسكري لاسرائيل أو الرد عليها، إذ تبقى اسرائيل متفوقة عسكريا على مجموع الدول العربية وقادرة على توجيه ضربات قاسية للجيوش والدول العربية مما يساهم في تحييدها في أية حرب قادمة تشن ضد الفلسطينيين. إن جميع العناصر تؤكد بأن الطريق الآن ممهدة لعمل عسكري اسرائيلي كبير على وزن اجتياح عام 1982، وان هذه الحرب ان سمح لاسرائيل بشنها سوف تنهي تجربة الدولة الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية كما عرفناها حتى الآن وسوف تترك آثار كبيرة على العالم العربي ومستقبل القضية الفلسطينية. فكل المؤشرات تؤكد ان الأوضاع تتحرك لصالح هذه الحرب الموسعة في الاطار الشعبي الاسرائيلي وفي الاطار الأمريكي وفي الاطار الدولي، ويعززها الضعف الأوروبي والعربي، ومحدودية القدرات الفلسطينية وضرورة ألا يستمر التصعيد العسكري بشكله الراهن. بمعنى آخر، إذا لم يغير الوضع الفلسطيني من خطته الراهنة ويتحول نحو سياسة جديدة تركز على شعبية وسلمية الانتفاضة لا على عسكريتها وعملياتها العسكرية فسوف ينزلق الوضع نحو مواجهة عسكرية مفتوحة لن تكون لصالح السلطة الفلسطينية، ولكن بنفس الوقت سوف يكون لزاما على الوضع العربي التحرك بسرعة وقبل فوات الأوان وبوسائل أكثر فعالية في المجال السياسي. إن الخطورة الآن هي في تحول الوضع الراهن إلى كارثة جديدة تضاف الى الكوارث التي مرت على القضية الفلسطينية على مر العقود الماضية. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت