في ظل سقوط الحدود بين الدول أمام رأس المال تنفيذا لشعارات «العولمة الاقتصادية»، تحولت المدن ، وبشكل خاص المدن ذات الأسماء الشهيرة برغم أنها ليست عواصم رئيسية، إلى كيانات مستقلة تعمل منفردة من أجل أن تظل خزائنها مليئة بالأموال، وحتى يمكنها أن تحافظ على سمعتها كمدن تتمتع بشهرة معينة، من هنا تحاول تلك المدن أن تجتذب إليها المؤتمرات أو اللقاءات الرياضية الدولية والأولمبياد، وحتى لقاءات سياسية ذات سمعة سيئة كما هو الحال في لقاءات الثمانية الكبار، أو السبعة الكبار وتابعتهم روسيا. وحتى تفوز تلك المدن دون غيرها لجذب مثل هذه اللقاءات فإنها توظف جيشا من العاملين في حقول الدعاية والإعلان والتسويق، وتنفق من اجل تجميل واجهات عماراتها وآثارها الشهيرة المليارات من الدولارات لتكون الأجدر بالاختيار دون غيرها من المدن. وقبل أن يصل السبعة الكبار وتابعهم بوتين إلى جنوة، كانت هناك العديد من المدن تقدم وثائق اعتمادها لتكون مقر «قمة الثمانية الكبار» القادمة، لكن ما خلفته «قمة جنوة» من دمار ناتج عن المظاهرات التي قادها مناهضو العولمة ورافضوها جعل الكثير من تلك المدن تفكر في الأمر مرتين قبل أن توافق على أن تكون عاصمة العولمة في اللقاء القادم، خاصة بعد أن تنبه «الكبار» أنفسهم إلى الدمار الذي يجرونه على تلك المدن، على الرغم من أنهم أغلقوا عيونهم وآذانهم عن الدمار الأكبر الذي يتسببون فيه في العديد من مناطق العالم الفقير، بسبب سياساتهم الموالية لرأس المال الجشع الذي اثبت أنه لا يقبل بغير المكسب الخاص ولو كان على حساب دمار الآخر. الأدهى من كل هذا أن «زعماء السبعة الكبار وتابعهم بوتين»رفضوا تحمل مسئوليتهم عن ما حدث وألقوا بعبء سقوط «شهيد العولمة الأول في التاريخ» في جنوة على المتظاهرين أنفسهم، لا على البوليس الذي أرداه قتيلا وداسه بعجلات سيارته أمام أعين العالم، وكأنما التظاهر والموت المجاني سمة تطبع الجماهير «اللا مسئولة» كما قال الرئيس الأمريكي في تلك القمة أنهم يحكمون -أي المتظاهرين- على «فقراء العالم بالموت فقرا(!)». يبدو أنه لا أحد من الجالسين على كراسي السلطة في «النظام العالمي الجديد» المتمثل في «سبعة كبار لهم تابع مجبر على الخضوع» يريد أن يتعلم من دروس التاريخ، أو أن بعضهم يرى أن تلك الدروس أمرا طبيعيا ولا بد لها أن تحدث، فقد وقعت الثورات العظمى في التاريخ في مواجهة كل الأنظمة العالمية السابقة على تعاقبها لأنها لا ترى فوائدها إلا من خلال سوء التوزيع»، بل يرى المستفيدون من تلك الأنظمة العالمية كلها، قديما وجديدا، أن سوء التوزيع المادي أساس وجودهم، لأنه كلما زادت الهوة بين الدول الفقيرة والدول الثرية زادت السيطرة على الأسواق، وبالتالي يزيد الربح لرأس المال بلا حدود. وإذا كانت الثورات تنفجر كلما اتسعت الهوة، فقد أثبت حصار «معارضو العولمة» للسبعة الكبار وتابعهم في جنوة هذا الأسبوع، وتحول الاحتجاجات من سلمية إلى دموية بفضل غفلة حراس كراسي العولمة، أن الثورة الجديدة على وشك الانفجار، وإذا لم ينتبه منظرو تلك العولمة الوحشية إلى تلك الحقيقة المرة وعدلوا من رؤيتهم لتكون العولمة اكثر إنسانية واقل جشعا، فأن الطوفان قادم لا محالة. معارضو العولمة ليسوا كما تصورهم معظم وسائل الإعلام التابعة لرأس المال، سواء بالخضوع لأن المستفيد من العولمة شريك في تمويلها، أو بالاعتقاد الخاطئ بأنه لا مفر من ما هو قائم باعتباره حتمي، وكما لجشع رأس المال وجود فإن المطالبة بتركيب «قلب» ينبض ووضع شروط أخلاقية لحركة رأس المال أمر مطلوب، من هنا حتمية أن يكون هناك احتجاج من جانب الرافضين. المعارضون لم يرفعوا أصواتهم لأنهم راغبون في ممارسة العنف المجاني، بل يرون أن العنف المجاني ممارسة سلطوية على استعداد لتقديم ضحايا لتصور للأغلبية الصامتة أن القتيل مسئول عن «مصرعه»، وليس رأس المال الذي اصبح يتحكم في كل شئ حتى أصبح العالم كله مجرد أفراد تحت رقابة عيون «الأخ الأكبر» ذلك العالم الذي نبه إليه «جورج اورويل» وصدقت رؤيته. المصيبة الكبرى أن «الأخ الأكبر» في النظام العالمي القائم حاليا ليس واحدا بل «سبعة» إضافة إلى تابعهم وحامل مباخرهم «روسيا»، هؤلاء قرروا معا تشكيل حكومة عليا على العالم كله ودون موافقة من أحد، ودون حاجة حتى لمجرد تطبيق شعاراتهم «الديمقراطية»، تلك الحكومة تمتلك المال والسياسة والسلاح، كانت في الماضي تجتمع في سرية لتخطط لمستقبل رعية لا تعرف أنها محكومة بتلك الحكومة، ومع مرور الوقت قررت تلك الحكومة العالمية أن تجتمع علنا وتعلن خططها وتدفع بها إلى أذرعها الطويلة لتنفذ كل منها ما يوكل إليها. تلك الحكومة العالمية التي يتولى فيها رئيس الولايات المتحدة المكانة الأولى، أي المدير التنفيذي المسئول، باعتباره ممثلا لأكبر وأغنى الشركات في العالم وأيضا ممول التنفيذ، وتلك الحكومة لا تتعامل مع أعضائها بمساواة، بل ما يجرى على الرعية يجري عليهم أيضا، وان كانت تلحقهم في النهاية فائدة من تلك الحكومة غير المعلنة، أي أنهم مستفيدون أيضا، أما التابع فله فتات المائدة، وفي كثير من الأحيان لا يحصل سوى على الصورة الجماعية التي يعلقها على جدران شوارع بلاده متوهما أنه بتلك الصورة اصبح كبيرا. وكما قال متحدث باسم معارضي العولمة في جنوة، فإن السبعة الكبار وتابعهم في الحقيقة لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون شيئا يقف هناك في الخلف ولا يظهر إلا عندما تدعوه الحاجة إلى التدمير أو الهروب إذا وجد خطرا عليه، لذلك يعتبر الزعماء الذين جمعتهم جنوة مجرد منفذين لا «متنفذين»، أما الأذرع التي يستخدمونها في تنفيذ ما يؤمرون به فهي بالترتيب، ذراع «منظمة التجارة العالمية» الموكول إليه الحفاظ على الليبرالية السياسية التي تكرس لحرية انتقال رؤوس الأموال والحد من حرية الأفراد، لأن رؤوس الأموال هي الأداة للسيطرة وتحقيق الرفاهية للقلة، أما الأفراد فهم الخطر الذي يهدد تلك السيطرة ويهدد تلك الرفاهية، لان الراغبين في الانتقال عادة ينتمون إلى المجتمعات الفقيرة الباحثة عن حياة افضل، وانتقالهم إلى العالم المرفه خطر على سكانه. الذراع الثانية يتمثل في حارسين توأمين لا بد منهما للحفاظ على فقر العوالم الأخرى التي تخضع للاستغلال، وهما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مهمتهما الرئيسية البحث عن الوسائل التي تضمن خضوع الآخرين الدائم، بالتخطيط لإغراقهم في الديون المطلقة، وكلما اشتدت أزماتهم زادوا الديون وخططوا لاقتصاديات تلك الدول لتغرق اكثر، انهما زائرا الظلام، يدخلان خلال الأزمات ليخرجا دون حل سوى بمزيد من التأزم. وإذا فشل هذان الذراعان أو وجدا مقاومة من البعض تحركت الذراع الثالثة المتمثلة في «حلف الأطلنطي» ليجبر المتمرد على الخضوع بالقوة، انه القوة الباطشة أو « الفتوة» الذي يطبق قانون النظام العالمي دون مناقشة، تحت شعار «نفذ أولا وناقش ثانيا»، لأنه بعد التنفيذ ليس هناك نقاش، وما يعجز صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عنه تقوم به قوات حلف الأطلنطي، وهي قوات أجيرة تدفع الشركات المتعددة الجنسية والعابرة للحدود خدماتها مقدما. الحقيقة المرة تؤكد هذا التوصيف الذي نستعيره من المحتجين في جنوة، والوقائع والأرقام تؤيد إلى حد بعيد صدق هذا التوصيف، وان كان يبدو للوهلة الأولى «سورياليا»، لأنه ببساطة يجمع بين ما لا يجتمع، ولكن نظرة واحدة على ممثلي تلك القوة الغاشمة المسماة «العولمة» نجد فيها سوريالية أيضا، وإلا فليجب أي خبير عن دور لبلد مثل «روسيا» لا يجد قوت يومه بين البلدان الأكثر تقدما ورفاهية في العالم مثل الولايات المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا. أما من ناحية الوقائع والأرقام فان معارضي العولمة محقون في تفجير الأوضاع كما حدث في جنوة، أو ما هو منتظر في لقاءات الكبار القادمة أيا كان مكانها، لأنها أوضاع قابلة للانفجار أصلا، لان الكبار يملكون التخطيط للسيطرة على الآخرين ولا يملكون شجاعة الاعتراف بخطأ ذلك التخطيط، وتلك السيطرة، بل يكذبون حتى في تعاملهم مع الأرقام الباردة التي يحاولون بها إسكات المعارضين لهم. تؤكد الأرقام الباردة الصادرة عن المؤسسات التي يتباهى«السبعة الكبار وتابعهم» بوجودها كأدوات «رفاهية» في النظام العالمي أن ديون الدول الفقيرة وصلت إلى حد أصبحت فيه عبئا، ليس على التنمية في تلك الدول، بل عبئا على مجرد الحصول على الغذاء اليومي، حتى أصبح لكل مولود فيها نصيبا من الديون قبل أن ترى عيناه النور، بدلا من نصيب في الثروة الطبيعية لبلاده. تؤكد أرقام صندوق النقد الدولي أن ديون العالم المتخلف بلغت هذا العام 2 تريليون دولار، أي ألف ألف مليون دولار، تلك الديون في الحقيقة تعود إلى سنوات سابقة لم تتوقف تلك الدول خلالها عن دفع الفوائد والخدمات فيما تظل تلك الديون على حالها، لأن دفع الفوائد والخدمات يتطلب مزيدا من الاستدانة، حيث تؤكد الأرقام أيضا، أن تلك الدول المدينة دفعت خلال تلك السنوات الخمس عشرة الماضية ما يساوي أربعة أضعاف تلك الديون كفوائد وخدمات، فيما زاد حجم تلك الديون خلال تلك الفترة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، على الرغم من أن السبعة الكبار، عندما كانوا سبعة فقط، أعلنوا عام 1996 انهم قرروا تخفيض حجم الديون بنسبة 80 في المئة، وعادوا في يونيو 1999 إلى الإعلان انهم قرروا رفع الخفض إلى نسبة 90 في المئة من حجم ديون الدول الفقيرة؟ لذلك يبقى السؤال: أي تخفيض ذلك الذي يقول به السبعة الكبار وتابعهم؟ هل المقصود هو مجرد الإعلان الدعائي لاتهام معارضي العولمة بأنهم ضد تخفيف عبء الديون عن الفقراء، أم أنه كذب على المكشوف يضللون به الرأي العام؟. إن الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة في العديد من الدول الفقيرة وبشكل خاص في أفريقيا وأمريكا اللاتينية يحتاج إلى إعادة نظر من جانب «السبعة الكبار وتابعهم» لأن استمرار تلك الأوضاع يهدد بانفجار قد يحدث في أي لحظة، عندها لن ينفع لا صندوق النقد الدولي ولا البنك الدولي ولا قوات حلف الأطلنطي. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com