يرتبط عندي الصديق العزيز الدكتور محمد الرميحي بالتقنيات الحديثة في عالم الكتابة والاتصالات، فمنذ سنوات تتجاوز العشرين قابلته في القاهرة خلال احدى زياراته، وكان من عادتنا أن نمضي معا الى القاهرة القديمة، لنتجول في شوارعها وأزقتها، ولنتوقف كثيرا وطويلا أمام مداخل مساجدها، وبيوتها العتيقة، والدكتور الرميحي ذو احساس رهيف بالجمال، خاصة ما يتصل بالعتاقة والتاريخ. ومن عادتي أن يتوقف رد فعلي على مستوى احساس من أصاحب بالأشياء، خاصة في القاهرة التي وزعت عمري على نواصيها وأزقتها وتكونت فيها، وأعرفها حتى لأحفظ حركة الظلال على مدار اليوم، لذلك أتحمس كثيرا عندما يبدي الدكتور الرميحي رغبته في صحبتي، وأبذل الجهد الذي لا أبديه الا لمن أحب وأحترم. حدث في تلك الزيارة أن مضيت اليه في الفندق المطل على النيل والذي اعتاد النزول فيه، وقبل مغادرتنا، قال انه يستأذن لبضع دقائق حتى يرسل مقاله الأسبوعي الى جريدة الوطن الكويتية. ثم تناول حقيبة صغيرة أخرى فيها جهاز للفاكس النقال، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها جهازا للفاكس بهذا الحجم، يصحب المرء، ويمكنه أن يرسل منه في أي مكان يحل به ما شاء من رسائل. لم يكن الحاسب الآلي الشخصي قد ظهر بعد، وكان الفاكس في ذلك الوقت من أواخر سبعينيات القرن الماضي حدثا،.. رأيته أول مرة في مبنى جريدة التايمز الانجليزية، وكان صديق عزيز يرسل عبره أوراقا الى عاصمة أخرى نائية، وازاء منجزات الحضارة الحديثة تأخذني دهشة أولى، فأبدو كالأطفال، لم أكن قادرا على تخيل الوسيلة والكيفية التي تجعل صفحة مكتوبة تدخل عبر الهاتف فتخرج من هاتف آخر، في الناحية المقابلة من الكوكب. عبر أقل من ربع قرن أصبح ذلك الجهاز الذي رأيته في (التايمز) متخلفا، كان كبير الحجم، بطيء السرعة، الآن يتم ارسال الأوراق والتصميمات من أجهزة الحاسب الآلي الى فاكسات تقليدية، أو الى أجهزة مماثلة، ولن يمضي وقت طويل حتى تختفي وسائل البريد التقليدية ويحل مكانها البريد الالكتروني، وقد أعد لي ابني محمد المهندس المتخصص في الاتصالات موقعا للبريد الالكتروني وزودني بالرقم السري والرمز الخاص به. لكنني لا استخدمه ولا أعطيه للأصدقاء والناشرين ومن أتعرف بهم بسرعة، فمازلت أكتب بالقلم الحبر التقليدي، وأتعامل مع البريد التقليدي، ولست أتباهي بجهلي، ولكنني أركن دائما الى ما اعتدته. الجهاز النقال الذي رأيته مع الدكتور الرميحي أصبح في ذمة التاريخ الآن، ولكنه بدأ مثيرا لي في ذلك الزمن القريب البعيد، أن يحمل الإنسان جهاز الفاكس الخاص به معه، وأن يرسل مقالاته من أي مكان في العالم الى الجريدة التي يعمل بها. كان الجهاز الذي رأيته وقتئذ يحتل حقيبة صغيرة. الآن يمكن وضعه في الجيب، فمنذ عامين زودني ابني بورقة صغيرة عليها رقم طراز محدد من الهاتف النقال، وشرح لي مميزاته، قال انه يحتوي على شاشة صغيرة يمكن من خلالها الدخول على شبكة الاتصالات الدولية من أي موقع في العالم، وعبرها يمكن ارسال وتلقي الرسائل الالكترونية، اضافة الى المفكرة الالكترونية وامكانيات شتى، هذا الجهاز الذي أحضرته لابني منذ عامين أصبح عتيقا الآن، كانت الشاشة بالأبيض والأسود، أصبحت الآن ملونة، اضافة الى امكانية أخرى لها لا يمكنني الإلمام بها. حقا ما أسرع التطور الذي جرى في عالم الحواسب الآلية والاتصالات، يخيل الي أن الزمن الذي سيتم فيه انجاب الأطفال عبر المسافات ليس بعيدا. لا حدود لتقدم العلم، وبدون الدخول في تفاصيل عديدة يخيل الي أن ماقطعته البشرية من تطور عبر السنوات الاخيرة أكثر مما تحقق عبر القرنين الماضيين، ورغم اقتناعي هذا فوجئت بما أطلعني عليه صديقي وأخي الدكتور الرميحي، كنا نتحدث عن قرب اكتمال تحقيق (تاج العروس) لمرتضى الزبيدي، الموسوعة اللغوية والأدبية التي انجزت في مصر خلال القرن الثامن عشر، قبل مجيء الحملة الفرنسية، وبدأ تحقيقها في الكويت منذ حوالي ثلاثين عاما، وتكتمل الآن في أربعين مجلدا، تطرق الحديث الى الكتاب الالكتروني، والمشروعات الطموحة التي بدأت من الخليج. وتوقفنا عند مشروع (صخر) الذي أسسه الأديب محمد الشارخ، والمشروع الذي بدأه محمد السويدي من خلال المجمع الثقافي لوضع مصادر الأدب العربي القديم على شبكة الاتصالات الدولية وقد تحمست له طويلا، وتحدثنا عن بيع الكتب بواسطة شبكة الاتصالات، وفوجئت به يقول: (هل تعلم أنه يمكنك الآن انشاء مكتبة في الهواء؟) فأبديت دهشتي وعجبي، وسألته بنفس الايقاع القديم (وكيف كان ذلك؟) فبدأ يطلعني على الأمر الذي ما إن فرغت من سماعه وقدرت على استيعابه حتى لحق بما قدر من المسرات ومثله من الحسرات، وتفصيل ذلك انه في اطار بيع الكتب عبر الشبكة، والمواقع المتخصصة مثل (الأمازون)، ظهرت عروض بانشاء مكتبات كاملة، متكاملة. ويتم ذلك عبر الشبكة بعد أن يطلب الزبون انشاء موقع خاص به، ويتم تزويده برقم ورمز سريين ليدخل بهما على الموقع حيث لا يمكن لغيره أن يستخدمه، وفي هذا الموقع يتم تخزين الكتب التي يرغب في اقتنائها، ويدفع بالطبع المقابل المادي والذي يختلف طبقا لحجم المكتبة ونوعية ماتضمه، ويمكنه بالطبع تزويد الموقع باستمرار، ويستخدم المكتبة عندما يرغب عبر (الانترنت)، من أي مكان في العالم، جالسا في بيته، أو راكبا سيارته، أو في الطائرة، أو مبحرا. هذا يعني اختفاء المكتبات بشكلها التقليدي، والأماكن التي كانت تحتلها، والكتاب بالشكل الذي عرفناه، وليس بعيدا ذلك اليوم الذي ستصبح فيه الكتب المطبوعة على الورق مثل المخطوطات القديمة التي نراها الآن في المتاحف، بل ان الأسطوانات المضغوطة التي طبعت عليها الكتب مؤخرا ستصبح قديمة، بالية مجرد مرحلة بدأت بغتة وولت بسرعة كما يقول المرشح المغربي الاندلسي القديم. رحت أفكر فيما قاله صديقي الدكتور الرميحي، تمنيت لو انني أبدأ تكوين مكتبة بهذا النظام وذلك الترتيب، مكتبة تضم مئة ألف عنوان أو أكثر يمكنني أن أحملها معي أينما شئت، أن أقلب صفحات كتبها في أي وضع، راكب أو جالس، طائر أو مبحر، مقيم أو مغترب. غير انني سرعان ماتذكرت مكتبتي التي اعتز بها وأفخر، والتي حملت على كتفي مجلداتها من شتى انحاء الأرض. من مكتبات الازهر، ودمشق، وبغداد، وتونس والمغرب، والجزائر، الى طشقند واليمن والامارات وعمان وباريس وألمانيا والولايات المتحدة، كل بلد حللت به يكون همي الأول مايمكن أن أجده من كتب. قد أبخل على نفسي في الملبس والمأكل، الا الكتب، لكم تحايلت على شركات الطيران لأنقل حمولة من الكتب، صممت حقيبة خاصة، صنعها لي حرفي ماهر من أصدقائي، شكلها صغير، لا يلفت النظر، لكنني أرص فيها مالا يقل عن حمولة ثلاثين كيلو جراما من الكتب، وأدخل الطائرة متظاهرا بالخفة. أمشي مرحا وذراعي تكاد تنخلع. لكم أوصيت تجار الكتب القديمة على نفائس مخطوطة منذ أزمنة بعيدة، أو مطبوعة نادرة، ومن بولاق، من استانبول، من طهران، من فاس، من شتى الانحاء، كل هذا اصبح متاحا، سهلا مع ظهور تلك الأساليب الحديثة من المكتبات، رحت استعيد واتامل، وبقدر ماشعرت بقدرة الانسانية على التطور اللامحدود، بقدر ماشعرت انني انتمي الى ماضي يولي بسرعة، أما صاحبي الدكتور محمد الرميحي فلا أدري ماسيخبرني به من مفاجآت عندما ألقاه المرة المقبلة.