يمقت عرب، وأنا واحد منهم، شأنهم شأن سائر الشعوب، أن يهيمن الفكر الغربي أو الحضارة الغربية علينا وعلى ثقافتنا. فمن المهم بالنسبة إلينا أن نحافظ على خصوصيتنا الثقافية. وفي الحقيقة إن تحقيق هذه المحافظة يزداد صعوبة في هذه الأيام بالنظر إلى اتجاه اضفاء الطابع العالمي (العولمة) على الاقتصاد، وهو الاتجاه الذي يضعف الخصوصيات الثقافية. والواقع ان العرب يتهددهم خطر خضوعهم للهيمنة الثقافية الغربية. وللتخلص من هذا الخطر لا أعتقد ان الطريق هو انكار التماثل أو التشابه بين جوانب فكرية عربية وإسلامية، من ناحية وجوانب فكرية غربية، من ناحية أخرى. طريق التخلص من هذا التهديد هو طريق الابداع الفكري. ولا يتحقق الابداع الفكري إلا عن طريق الانطلاق النفسي والفكري، عن طريق الرؤية النقدية النشيطة المتفاعلة مع المحيط الاجتماعي والطبيعي القريب والبعيد والمنفتحة عليه. المفتاح هو الرؤية النقدية النشيطة المتفاعلة المنفتحة. لتأكيد الذات العربية والخصوصية العربية، وللتخلص من تهديد الهيمنة الحضارية الغربية أو لإزالتها لا مناص من طرق طريق الفكر النقدي النشيط المتفاعل مع المحيط. عن طريق الفكر النقدي المبدع المنطلق المنفتح المتفاعل يمكن للعرب أن يؤكدوا ذواتهم وأن يحموا خصوصيتهم. عن طريق هذه الرؤية تمكن دراسة الحضارة العربية ـ الإسلامية والحضارة الغربية والعلاقة بينهما. وعن طريق هذه الرؤية يفسح المجال لان يظهر العرب ما لديهم من طاقة ابداعية توجه نحو ازالة الأوهام بالتفوق الغربي وتوجه نحو تأكيد الخصوصية ونحو تأكيد دور العرب والمسلمين الحضاري في العصر الحاضر. وأي طريق مقترح لتأكيد الذات والخصوصية وللتخلص من الهيمنة الأجنبية أو لإزالة تهديدها لا يأخذ بالنهج النقدي ـ أي طريق كهذا ـ طريق عابث لا يؤدي إلى تحقيق الهدف. وعدم الأخذ بهذا النهج من شأنه أن يؤكد ان المرء لا يزال غافلا وغير واع، وان المرء لم يتعلم بعد قواعد لعبة التقدم العلمي والحضاري ولم يمسك بعد بمفتاح التفوق العلمي والحضاري. ومن نافلة القول ان القطيعة الفكرية ليست ابداعا فكريا. القطيعة عن الفكر الغربي أو الحضارة الغربية ليس من شأنها أن تحول دون حصول القوة الغربية ودون استهداف القوة الغربية لنا، وليس من شأنها أن تمنع ضعفنا وأن تحافظ على خصوصيتنا. فحتى لو قطع العرب أنفسهم عن الفكر الغربي والحضارة الغربية لأقحمت تلك الحضارة نفسها اقحاما على ثقافتنا، والآن على وجه الخصوص في عهد الشبكة الدولية. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة