لا شك أن موضة هذا الوقت بالنسبة لبرامج التلفزيون الثقافية والمخصصة للتخاطب المباشر مع الجمهور هي البرامج الحوارية التي باتت موضة عامة لكافة المحطات الأرضية والفضائية المنتشرة عبر الرقعة الجغرافية لوطننا العربي. ولا شك ان هذه البرامج لها من الفائدة والحضور ما ليس لغيرها من البرامج التي تغيب عنها هذه النخبة المفكرة والمثقفة وذات الارتباط بالموضوعات المختلفة التي تتنوع بتنوع مقدميها ومعديها و زمنها وملابساتها، فهي والحق يقال تحاول من هذه الزاوية ان تنوع في موضوعاتها قدر المستطاع وان كانت السياسية دون شك لها النصيب الأوفر في المساحة الزمنية وفي عدد الحلقات التي تتوالى على المشاهد في ساعات البث المختلفة في الليل والنهار. وحديثي الذي أود أن القي عليه الضوء من خلال هذه المساحة هو ثبات النمط والطريقة التي تصر هذه البرامج على تقديمها كلون واحد متكرر ومتشابه، وكأنه لوحة رسمها فنان ووضع لها بروازا معينا واطارا ثابتاً، فكل من يأتي ليقدم برامج حوارية يجلس تماما في الخانة التي أعدها ذلك الرسام. المشهد المتكرر هو ان يجلس مقدم البرنامج على طرف الطاولة بينما يجلس شخص واحد أو شخصان على يمينه وشماله او بمحاذاته لا يهم، المهم أن هذين الاثنين أو هؤلاء الثلاثة وليس غيرهم هم من يتولى دفة الحديث عن الموضوع المراد تناوله، وليس لغيرهم الا الاتصال من خلال الهاتف أو الفاكس وحديثاً الكمبيوتر للادلاء برأيه أو سؤال الضيوف المتواجدين في الاستديو. حقيقة هناك خلل ما لابد من اصلاحه حتى لا تصاب هذه البرامج بالشيخوخة المبكرة فينصرف عنها المشاهد طمعا في جلب متعة أو تسلية أو فائدة قد يجنيها بعيدا عن هذا النمط. نعم التجديد في مثل هذه البرامج مطلوب من حيث الفكرة ومن حيث طبيعة الاعداد ومن حيث الاخراج ومن حيث الموقع الذي تسجل فيه، فلماذا لا يتغير المكان بدلا من ان تبقى الصورة حبيسة الاستديو فقط؟ لماذا مثلا لا يتجه الى منزل الضيف أو الى مكتبه؟ ولماذا لا تجرى حوارات مباشرة مع من هم قريبون من الموضوع الذي تعالجه الحلقة؟ لماذا لا توجد استطلاعات ميدانية للموضوع المثار ولماذا تغيب الحركة عن هذه البرامج وتبقى فقط الصورة المتكررة والرسم المعهود؟ ان هذا البرواز يجب أن يكسر وان لم يكسر فعلى الأقل أن يتم التغيير فيه!! ثم أين هي التغذية الراجعة وأين هي استطلاعات قياس الرأي لمعرفة مدى تجاوب الجمهور مع ما يتم عرضه أم أن لهم رأيا آخر؟ هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى اين البرامج التي تهتم بقضايا الناس اليومية؟ أين البرامج التي تنقلنا من الواقع الى المستقبل. من خلال رسم صورة المستقبل وفق المشاركة بصناعتها عن طريق البحث الميداني والاستقصاء للحقائق وتقديم رؤية فاعلة للأيام المقبلة؟ أين التكامل في العمل الإعلامي بين فريق العمل المسئول من معدين ومقدمين ومخرجين؟! أين التنسيق في تلك البرامج ولماذا هناك نوع من التكرار الواضح في كثير من الموضوعات والعناوين وحتى في بعض الأحيان التفاصيل؟ نحن لا نريد استنساخا للبرامج الحوارية وكأن بعضها ورقة كربون شفت ما تحتها واتتنا بالصورة مطابقة للاصل دون تعديل. ومن جهة ثالثة أين البرامج التي ترفد المشاهد بآخر الأخبار الثقافية وأحدث النشرات العلمية وأحدث الكتب وأحدث الاصدارات الاعلامية المفيدة؟ ام أننا تركنا ذلك كله لبرامج استعراض احدث افلام هوليوود وأكثرها دخلا في شباك التذاكر ولاستعراض احدث أغاني الفيديو كليب وأغاني الكاسيت والارقام التي يتوقع ان تتحقق من بيع ذلك كله؟ اين البرامج التي تربط بين هموم رجل الشارع البسيط وطموحاته وأحلامه، فتكون حلقة النقل والوصل بين المعاناة اليومية لبعض فئات المجتمعات وبين المسئولين وذوي السلطة والرأي والقرار. اسئلة تتجاوز في كثرتها المساحة المتاحة للتعبير ولكنها ملحة وهامة وعاجلة». نعم البرامج الحوارية مفيدة ونافعة، ولكن لابد من تغيير نمط تقديمها ولابد من تجديد دمائها، ولابد من تقديم صورة اعلامية متكاملة تتضافر فيها الحركة مع الصوت، ومع المادة الجيدة والتقديم الجيد، مع الخبر الجاد والموثق، مع المصدر الصحيح ومع الرؤية الشاملة. ـ كاتبة وباحثة تربوية