بعد أن آذن الاتحاد السوفييتي إلى الانهيار في أواخر عقد الثمانينات وفي غمرة النشوة التي انتابت أوساط الغرب الرأسمالي في أمريكا بالذات ـ ارتفعت أصوات عدد من الساسة وأساتذة العلوم السياسية والمحللين السياسيين تقول في معظمها: هونوا عليكم.. لقد كان الطرف السوفييتي يؤدي دورا حيويا في حياة الغرب.. على مستوى القادة والشعوب هو دور العدو.. الذي يحفز بمجرد وجوده، دع عنك آليات حركته على المزيد من الاستعداد وعلى اذكاء حمية الاستنفار وعلى إبقاء العيون مفتوحة والملكات والمواهب جاهزة علامات التحدي وتسجيل نقاط وضع إنجازات في مجالات البحث والتطوير.. يستوي في ذلك مجال الفهم النظري أو التطبيق التكنولوجي على حد سواء. البحث عن عدو في غمار تلك المرحلة نجحت الدعوات التي يمكن تلخيصها في عبارة تقول: ـ البحث عن خصم بديل. أو تقول: مطلوب عدو جديد. بعدها انطلق القوم على مدار العقدين الأخيرين من القرن الماضي يلتمسون هذا العدو المرشح لكي يحل محل الدب السوفييتي الذي كان والذي يمكن لكبار السادة والقادة في الغرب الأوروبي ـ الأمريكي أن يشيروا إليه ويستخدموه في دور الفزاعة كما يقول تعبير عرب الشام لزوم التخويف والتهديد أن لم يكن ترويع شعوبهم ملوحين لها بما ينطوي عليه هذا العدو الجديد من خطر يلحق بحياة تلك الشعوب وبما أصبحت تنعم به من أمن ورفاهية وتقدم ورخاء. الجاهلون والخائفون ولقد كان والي مصر محمد سعيد باشا الذي حكم في منتصف القرن التاسع عشر لا يفتأ يقول: ـ الأمة الجاهلة أسلس في قيادتها من الأمة المتعلمة المتنورة. وبنفس القياس مع الفارق في الزمن والاتجاه أصبح بإمكان القادة والساسة في أمريكا وأوروبا الغربية أن يقولوا مع غروب القرن الماضي: ـ الأمة المروعة، المخوفة أسلس في حكمها وتحريك فعالياتها من الأمة الواعية الآمنة المستقرة نفسيا. هذا ولم يقصد النوم فيما يفعلون: بدأوا - كما لعلك تذكر ـ بأن صاغ لهم البروفيسور زيجنيو بريجنسكي التعبير الذي اشتهر في الثمانينات وهو: ـ هلال الأزمات، وكانوا يقصدون به بداهة (التيار الإسلامي) أو بالأدق (الخطر المسلم) وقد أعانهم على ما ذهبوا إليه قيام، بل انفجار الثورة الإيرانية في عام 1979 وما واكبها من ملابسات كان في مقدمتها أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران وما تبع ذلك من مجابهة إيرانية في المقابل جاوبت على مصطلحات هلال الأزمة. والخطر الإسلامي بمصطلحات كانت مستجدة بدورها من قبيل: الطاغوت.. أو الشيطان الأكبر في مواجهة المستضعفين في الأرض.. إلخ. بيد أن الإسلام.. عقيدة وكيان وشعوباودعوات لم يكن وحده فزاعة الغرب.. بل كانوا يضيفون إليه رموزا وكيانات استخدموها في هذه المرحلة أوتلك ليسندوا إليها دور العدو الجديد الذي يهدد استقرار الغرب وأمنه وسلامة شعوبه. الخطر الصيني هكذا سمعنا عن الخطر الأصفر الذي كان يصدق أحيانا على السياسات المنافسة ولكنه كان يصدق في معظم الأحيان، وعلى وجه الخصوص على الصين الذي مارسوا معها عبر العشرين سنة الماضية بدائل سياسية شتى تراوحت بين سياسة الاحتواء التي سبق، وقال بها واحد من آباء الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة هو (جورج كينان). ولما لم تحقق سياسة الاحتواء أهدافها في تحجيم الصين أو في قطع وشائجها الثقافية بل والاثنية مع شعوب جنوب شرقي أسيا ـ بادرت واشنطن وحلفائها إلى سياسات أطلقوا عليها في عهد كلينتون تعبيرات من قبيل: التفاعل أو التعاطي الذي كانوا يصفونه أحيانا بالإيجابي لاسيما وأن تجربة الصين في مجال التنمية وانجازاتها خفضت معدلات غير مسبوقة، فضلا عما نجحت فيه بيجين من دخول نادي القوى النووية من باب الاقتحام كما نسميه.. وما اصبحت سوقها الشاسعة تعد بامكانات يسيل لها لعاب الشركات المتعدية الجنسيات في أمريكا وحليفاتها ومع أواخر التسعينات ومطالع هذا القرن الجديد، عمد أركان الحزب الجمهوري إلى صياغة المانيفستو ـ الأجندة السياسية ـ العقائدية أن شئت التعبير للقيادة الجمهورية التي دخل في ظلها الرئيس بوش ـ الابن إلى البيت الأبيض.. ولقد سبق أن كتبنا في حتمية عن هذه الأجندة السياسية التي أشرفت على وضعها البروفيسور كوندليزا رايس، استاذة علم السياسة والمتخصصة في الشئون الروسية الكرملينوجيا كما يسمونها وقد اصبحت، كما تعرف ولاشك، مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض تجلس في نفس المقعد والموقع الذي سبق إلى شغله اساتذة آخرون في العلوم السياسية منهم هنري كيسنجر وزبجنيوبر بجنسكي. كان التوجه العام لرؤية الحزب الجمهوري هو أن من حق أمريكا في القرن الحادي والعشرين أن تمارس أوتنعم بدور القوة والهيمنة على مقاليد العالم.. ولكن من واجبها ـ بلأدق من مصلحتها ـ أن تحرص على عدم التعاطي إلى حد الانغماس أو التورط في المشاكل الإقليمية التي يعاني منها العالم. هذا التوجه السياسي العام لإدارة بوش بجناحيها كوندوليزا رايس من جهة وكولن باول من جهة وبينهما نائب الرئيس، عميد اللوبي البترولي في الولايات المتحدة، السيد ريتشارد (ديك) تشين ـ جعل الأجندة الأمريكية تبدأ بمقولة أمريكا ـ قوة الهيمنة في عالم القطب الواحد وتتدرج إلى حيث مقولات محاربة الارهاب والاتجار في المخدرات والتصدي للدول المارقة التي يحلو لهم بين وقت وآخر أن يضعوا عليها تعديلات وتحويرات بالخذف او الإضافة وأن كانت قائمتها تشمل نواة لا تبدل من دول عربية ـ إسلامية في الأساس. حالة ترويج دائم هكذا داخل (الإرهاب) مصطلح السياسة بل وتيار الحياة الأمريكية العريض وربما كان مطلوبا أن يدخل بشحنته الانفعالية إلى غرفات نوم الأمريكيين وإلى تلافيف عقولهم وأنماط سلوكهم بحيث يعيش الناس في حال من الترويج الدائم إزاء عدو يتصورونه أو تصوره لهم ألة الاعلام المستشرية إلى حد جهنمي على أنه كائن خرافي متربص.. خبيث يكشر عن أنياب الحقد على الغرب ويمسك نسخة القرآن في يد وسكين الارهاب في اليد الأخرى... إلى آخر التصادير أو بالأدق التهاويل التي ما برحت تقدمها السينما وأحيانا التلفاز فضلا عن المقالات والتحليلات في أمريكا وفي غيرها من دول غرب أوروبا. ها هو الدكتور كيسنجر يصدر أحدث كتبه منذ أسابيع وحين يتحدث عن إيران (في الفصل الذي عقده عن الشرق الأوسط وافريقيا ـ ص 197 وما بعدها) لا يجد من سطوره سوى اتهام طهران بأنها أكبر راع للإرهاب ربما على مستوى العالم. هنالك اختلفت المقاييس وازدوجت المعايير إلى حد النفاق بل العمى السياسي في بعض الاحيان. يحدثنا كيسنجر في كتابه وهو بالمناسبة عن سياسة أمريكا الخارجية في القرن الحادي والعشرين عن السفير روبرت غلبارد الذي أوفده الرئيس السابق كلينتون إلى كوسوفو في أواخر عام 1998 ممثلا شخصيا للرئيس الامريكي في البلقان وما أن وصل السفير إلى كوسوفو وأطلع على ما ينادي به مناضلوا الحركة الوطنية هناك من اعلان استقلال كوسوفو وبغير تحليل أو تدبر لمشروعية، أو عدم مشروعية هذه المطالب أعلن الدبلوماسي الأمريكي وقتها، وبغير تردد أو روية رأية في أفراد هذه الحركة الوطنية من ذوي الاصول الألبانية في كوسوفو (ومنهم مسلمون) فقال: ـ بغير جدال.. إنهم جماعة إرهابية. تمجيد عصابات الكونترا وفي المقابل يذكر المحللون السياسيون أوصاف التمجيد الذي سبق وخلعها الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان على عصابات الكونترا وقد كانوا فلولا من عملاء الولايات المتحدة ارتكبوا فظائع في نيكاراغوا وأوكلت إليهم دوائر المخابرات الأمريكية الإطاحة بنظام الرئيس أورتيغا الوطني في ماناغوا وتورطوا مع إدارة ريجان في فضائح مالية أطلق عليها المراقبون وصف كونترا ـ جيت ـ هذه العصابات وجدت نفسها في موقف فريد حين أطلق عليها الرئيس ريجان الوصف التالي: أنهم مقاتلون ـ مناضلون من أجل.. الحرية، هذا في حين أن المقاتل الفلسطيني الذي يصل به يائس الاحوال إلى أن يجود طائعا بحياته ذاتها ولما يزل في مقتبل العمر الغصن.. هذا المقاتل لا تتورع أوساط في الاعلام الامريكي بل في ماكينة السياسة الأمريكية عن وصفه بالارهابي. وعندما يحشد الارهابي حقا وصدقا وأصلا وجوهرا ـ شارون دباباته وطائرات الأباتشي المروحية لقصف وهدم البيوت المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة.. لا تتورع.. بل لا تستحي الدوائر المشار إليها فتصف الأمر بأنه عنف متبادل بين الجانبين والعدل عليه في هذا السياق هو إدامة الحديث عن الارهاب ومؤسساته وأخطاره وأفراده . ويتمادي القدم في ذلك المعيار المزدوج فينسون مثلا وعمدا اخطر تيارات الارهاب والترويع الداخلي التي تجتاح المجتمع الأمريكي (أعدموا مؤخرا الارهابي ماكفي الذي تسبب عن عمد وسبق إصرار وبغير قضية وطنية نبيلة ولاحق ضائع مشروع - عشرات الضحايا المدنيين) ويعمدون في الوقت نفسه إلى إصدار تقرير سنوى عن وزارة الخارجية الأمريكية تحت عنوان ذاتي الدلالة هو: ـ أنماط الارهاب العالمي. والتقرير ينطلق من المقولة التي روجها الرئيس السابق كلينتون وأعلن فيها. ـ أن الارهاب هو عدو جيلنا. تقرير الخارجية الأمريكية ولأن التقرير المذكور تصدره أهم وزارات الإدارة الأمريكية ولانه يقصد إلى إحداث أعمق أثر ترويعي في نفسية المواطن الأمريكي سواء كان مستقرا في بلده أو كان يجول العالم للسياحة أو العمل. فهم ـ على طريقتهم، يشحنونه بالإحصاءات والخرائط والتحذيرات المنذرة بالويل والثبور وكلها، تقول لقارئ التقرير: الارهاب وباء خطير.. قابل للانتقال بالعدوى. اخر هذه التقارير صادر في شهر أبريل الماضي لنستعرض أحوال إرهاب عام 2000 وقد عنى بنشرة ـ كما يقول غلافه ومقدمته ـ مكتب منسق مكافحة الارهاب في وزارة خارجية الولايات المتحدة. ويبدو أن ما فعل به التقارير من صفوف التخويف والمبالغة والغلو قد استفز كاتبا أمريكيا محترفا هو البروفيسور أندروج.. باسفتيش، استاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطون. ولم يتورع الاستاذ باستفيش عن أن ينشر دراسة موجزة وطريفة حقا (مجلة السياسة الخارجية فورين بوليسي، عدد أغسطس 2001) اختار لها عنوانا ساخرا يقول: ترويع.. الحقيقة. وفي تقدير الدراسة قال أيضا: ان تقرير الخارجية يحاول تصوير الارهاب على أنه وباء معد ولكنه في غمار هذا الجهد لا يبالغ فقط ولا يشوه الحقائق وحسب، بل هو يطمس معالم السياق السياسي (بمضي الظروف السياسية العامة) التي تقع في إطارها أحداث تنسب إلى الأرهاب في واقع الأمر أربعة مبادئ، يستهل واصفو التقرير الأمريكي حديثهم عن الارهاب بطرح أربعة مبادئ سياسية أساسية يقولون أنها دعائم التعاون بينهم وبين شركائهم في مجلة مكافحة الارهاب الدولي وهذه المبادئ الأربعة هي: 1ـ لا تنازلات لا صفقات مع الإرهابيين. 2ـ أن يساق الأرهابيين إلى ساحة العدالة. 3 ـ العمل على عزل الدول التي تتبنى الارهاب وممارسة الضغط عليها أو إجبارها (!) على تغيير سلوكها. 4 ـ دعم قدرات مكافحة الارهاب لدى الدول التي تتعاون مع أمريكا في هذا الصدد وتقديم المساعدة لها. من وجهة نظره، يدفع البروفيسور أندرو باستفيش بأن تعريفات الارهاب والارهابيين أمور مطاطة ولا تستند إلى قواعد أو معايير جامعة مانعة.. ويضرب المثل من الرئيس ياسر عرفات الذي ظلوا يعتبرونه الارهابي الأول ولكنه ما لبث أن اعتبروه شريكا لهم في عملية السلام ونال جائزة نوبل.. للسلام. وهناك أيضا الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي مازال اسمه مدرجا على القائمة الأمريكية لمنظمات الارهاب ومع ذلك فها هو قد أصبح شريكا بحكم الأمر الواقع في عملية السلام بايرلندا الشمالية. من جانب أخر، ينتقد الاستاذ باستفيش تعريف الخارجية الامريكية للإرهاب بوصفه عملا عنيفا موجها عمدا ومع سبق إصرار ضد المدنيين أو ضد أفراد عسكريين غير مسلحين أو غير مكلفين بواجبات (عسكرية) وهنا يلمح استاذ العلاقات الدولية إلى أن الخارجية تضع تعريفات للإرهاب على الكيف وربما وفق المزاج ها هي مثلا تقضي وضعية عابر السبيل البريء (الطيب الذي في حالة والذي يكفي خيره شره كما يقولون) على أعضاء الطاقم (العسكري طبعا) للمدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن وقد كانوا ـ كما هو بديهي وحقيقي وواقعي ـ يخدمون في مهمة على متن سفينة عسكرية في مياه أجنبية.. وفي هذا يلاحظ البروفيسور الأمريكي أن التقرير الامريكي يطمس حقيقة سياسات واشنطن المطبقة في منطقة الخليج وحقيقة وجود القوة الأمريكية بكل هيلمانها. تناقضات التقرير في نفس السياق يرصد الباحث تناقض المقولات التي طرحتها وزارة خارجية واشنطن حين قالت أن أمريكا الجنوبية شهدت زيادة في عدد الهجمات الموجهة ضد أهداف أمريكية إذا ارتفعت من 1996 عام 1999 لتصل الى 200 هجمة في عام 2000 وجاء ذلك كما يوضح تقرير وزارة الخارجية ونتيجة هجمات قصف خطوط النفط في كولومبيا بالقنابل حيث يعتبرها الارهابيون أهدافا أمريكية وهنا يتساءل البروفيسور الذي نحيل اليه في هذه السطور: ـ لقد أيدت أمريكا كولومبيا لكي تشرع في حوار مع محاربي العصابات في أدغالها (وهم الارهابيون حسب تعريفات التقرير) الا يعد هذا الاجراء نوعا من عقد صفقات (أو تقديم تنازلات) بالنسبة للارهابيين؟ ويبقى السؤال المطروح بشكل عام هو: ـ وهل نجحت حقا سياسة الترويج التي جاء حتى متبعة في دوائر شتى في واشنطن؟ ربما تكون الاجابة ـ كما نتصورها ـ على النحو التالي: ـ انها نجحت.. ولم تنجح؟ ـ والحاصل انه بعد أن استخدمت عناصر يابانية غاز الأعصاب الشهير (سارين) للهجوم على محطة مترو الانفاق في طوكيو في مارس عام 1995، أجرت مؤسسات استطلاع الرأي دراسة مسحية في عام 1996 بين الأفراد الأمريكيين حول مدى خشيتهم من مثل هذا الهجوم وأقصى استطلاع للرأي الى نتيجة تقول ببساطة: 72 في المائة من أفراد الشعب الأمريكي يعتقدون بأن الارهابيين يمكنهم أن يستخدموا أسلحة التدمير الشامل لمهاجمة مدينة أمريكية. لكن 13 في المائة فقط لا غير أعربوا عن قلق يساورهم ازاء مثل هذا الاحتمال. ـ كاتب مصري