لا يمكن أن توجد علاقة صحية بالحاضر في غيبة علاقة سوية بالماضي. وبالقدر نفسه لا يمكن أن تنطوي العلاقة بالحاضر على وعود إيجابية إلا إذا كانت هذه العلاقة تضع في اعتبارها إمكانات المستقبل الخلاقة وآفاقه المفتوحة إلى ما لا نهاية، فالمستقبل الأفضل هو الممكن الذي نسعى إليه بتطوير الحاضر، وهو الإطار المرجعي الذي لابد أن يحكم تعاملنا مع معطيات الحاضر وشروطه، كما يحكم تناولنا ميراث الماضي في كل عصوره وأقطاره، ولا معنى لحاضر ينعزل عن ماضيه، أو يغلق عينيه عن التطلع الى احتمالات مستقبله، فالحاضر الفاعل هو الحاضر الذي يعي أن علاقته الموجبة بماضيه هي دافع أصيل من دوافع تقدمه، شأنها في ذلك شأن علاقته الموجبة بمستقبله، خصوصا حين تتحول العلاقة الأخيرة الى باعث على تطوير إمكانات الحاضر وتحقيق أحلامه، ولذلك فإن الحاضر الحي المتوثب بالعافية هو الحاضر الذي يضع نصب عينيه كل الامكانات المتاحة في زمنه النوعي، بادئا من هذا الزمن بوصفه الشرط الذي يحكم الحركة بقدر ما يمكن أن تتحداه هذه الحركة، وبوصفه الضرورة التي لابد أن تتولد منها ـ وفي مواجهتها ـ الحرية، وبوصفه الواقع الذي يقبل التطور والاندفاع في خطى التقدم، خصوصا عندما يجد ما يدفعه الى الحركة، و ـ أخيرا ـ بوصفه لحظة متوترة في المتصل الذي يصل ما بين الماضي والمستقبل، والذي لا يستعيد ماضيه إلا ليندفع الى مستقبله الذي لا نهاية لاحتمالاته. ومن هذا المنظور فإن استعادة الماضي، إبداعيا، هي الوجه الآخر من التطلع الى المستقبل في العملية نفسها التي يتولى بها الوعي الفاعل في الحاضر تطوير الاحتمالات الموجبة التي يراها، ومواجهة أوضاعه السالبة التي لا يغفل عنها. واذا كان التطلع الى المستقبل يعني القياس على احتمالاته الموجبة، والفعل في الحاضر من منظور الأفق المفتوح لممكناته، فإن استعادة الماضي لا تعني التقليد الساذج، ولا ترادف الاتباع الجامد، أو قبول كل تغير بسند من الماضي، أو قياس كل آت على كل ذاهب، فذلك الغاء لاحتمالات التقدم في الحاضر، وتوثين لبعض عصور الماضي بما يضفي معاني السلب على الماضي كله. إن الاتباع الأعمى قرين التقليد الجامد، كلاهما مجلي للنقل الذي يخلو من العقل في الفكر والابداع، وكلاهما سمة التخلف أو العقم الذي تنتهي اليه الفنون، أو تنتهي اليه الحضارات، ويحدث ذلك حين تفتقر الحضارات الى الدافع الخلاق للحركة الى الأمام، وتغلق الأبواب المفتوحة للاجتهاد، وتحارب الابتكار الذي تصمه ببدعة الضلالة، أو تلقي به مع الابتداع في حمأة الإثم والمعصية. شأن الحضارات في ذلك شأن إبداع الفنون الذي يزدهر بازدهارها، وينحدر بانحدارها، ويرتبط في أحوال ازدهاره بتسامح تيارات عقلانية سائدة، أو تيارات فكرية متفتحة، تؤمن بالحرية، وتحترم المخالفة والتجريب. وبالمثل، ينحدر إبداع الفنون بانحدار الحضارات، ويختنق باختناق الحرية، ويتقلص بتقلص المكانة التي يحتلها العقل، ويحجر عليه عندما يتم الحجر على توثب الرغبة في مجاوزة شروط الضرورة في الحاضر، سعيا الى الاحتمالات الخلاقة للأفق المفتوح على المستقبل ولذلك فإن إبداع الفنون لا يغدو إبداعا حين يستبدل بالتحديق في إمكانات المستقبل الهوس باسترجاع صور الماضي، وحين يجعل من المستقبل الواعد نفسه عودا على بدء، في ماض بعينه، ماض يغدو كل تباعد عنه في الزمن انحدارا عنه في القيمة، وكل اقتراب منه على سبيل المحاكاة ارتداد اليه من منظور القيمة نفسها. وقد انهارت الحضارة العربية حين اغتربت عن عقلها الذي ألقت به في دورات متعاقبة من السجن والتشريد، فأصبح العقل مطاردا بالنقل، والاتباع بديلا عن الابتداع، والتقليد شعار السلامة، والتصديق ملاذ المحكومين بالقمع الذي تعددت صوره وأشكاله، ابتداء من تسلط السلاطين وبطش جلاديهم، مرورا بفتاوى فقهاء النقل والتقليد من أعداء العقل، وانتهاء بأصحاب الأقلام الذين دعوا الى طاعة أولي الأمر في كل مجال، وكانت النتيجة اختناق الفكر الذي لا يستكين الى الثوابت الجامدة، ومحاربة الابتداع الذي يتمرد على التقليد، والعداء للاجتهاد الى درجة إلغائه، ومطاردة الفلاسفة والمتكلمين المدافعين عن استقلال العقل، واستئصال الخارجين على الجماعة، والاسترابة في المختلف، والنفور من الآخر، والانغلاق على النفس، وإشاعة تقاليد الاتباع التي أخذت تعيد إنتاج ما تنطوي عليه من نواه وتعاليم وأحكام وفتاوى، فدفعت اللاحق الى عدم الخروج على السابق، والالتزام بمحاكاته في مدى المدار المغلق للاجترار العقيم. وكان ذلك موازيا لما حدث في إبداع الفنون، وعلى رأسها الشعر، خصوصا بعد أن أصبح الشعر واقعا بين مطرقة أهل الحكم وسندان أهل الفكر، أما أهل الحكم فقد اضطروا الشعراء الى الكذب والمبالغة، والى النفاق والتملق، بل الى الدوران في الدوائر نفسها من المعاني التي طلبها أولو الأمر، واشاعتها بلاغة التسلط، فغلب حسن الاتباع على حسن الابتداع، وتباعد الشعراء عن ذواتهم ورؤاهم الخاصة، وفقدوا رغبة اكتشاف أسرار الوجود ومساءلة الكون والكائنات، واتقنوا مبادئ الصنعة التي تتناسب وقواعد التراتب الاجتماعي التي تنص على أن كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، وأن على الشاعر مخاطبة ممدوحيه حسب مقاماتهم، وعلى قدر طبقاتهم، وذلك من المنظور الذي يحقق لهذا الشاعر مصلحته المادية. وقد قيل في الأمثال التي أصبحت سائدة (إن مدح الشاعر على قدر العطية)، و(لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر)، و(إن اللهى تفتح اللها)، و(اللهى) هي العطايا، أما (اللها) فمن (اللهاة) التي هي اللحمة المشرفة على الحلق، وتدل عليه دلالة الجزء على الكل، والمقصود من المثل أن مقدار عطايا الممدوح يطلق لسان الشاعر، ويفتح حلقه للكلام الذي هو بقدر العطايا، وقد انتهت هذه القواعد بالشعر الى قرارة قاع الهوان والتردي، وذلك الى درجة الحال الذي وصفه أحد شعراء العصر العباسي الثاني بقوله: الكلب والشاعر في حالة ياليت أني لم أكن شاعرا أما تراه باسطا كفه يستطعم الوارد والصادرا وكان انحدار الشعر على هذا النحو موازيا لانحدار الفكر، والجامع في كلا الانحدارين هو غلبة تيار الاتباع المعادي للابتداع، ووطأة التقليد الذي قضى على دوافع الاجتهاد، وفهم التجديد على أنه تطريز على ثوب قديم، أو رقص في سلاسل الأسلاف الذين سبقوا الى كل معنى بديع، ولم يتركوا للشعراء المتأخرين إلا المدارات المغلقة من حسن الاتباع. وكما كان الاتباع سمة الفكر الغالب، خصوصا بعد أن أجهز أهل النقل على أهل العقل، وطاردوا التفلسف بمبدأ: من تمنطق تزندق، كان التقليد السمة الغالبة على الشعر، وكان حسن الاتباع الصفة الموجبة التي يستحقها الشاعر المتأخر حين يعمل على هدى من الشاعر المتقدم، مؤمنا أن الفضل للمتقدم في كل الأحوال، وأن اللاحق لا يصوغ إلا المعاد المكرور من قول السابق. وبعد أن كان الشاعر وثيق الصلة بالمفكر المتكلم أو الفيلسوف، يغامر معه في اكتشاف معاني الوجود، وينطلق في موازاته لمساءلة الكون، والكائنات، مطلقا العنان للخيال الذي يجمع بين العوالم المتباعدة التي لا تأتلف إلا في المخيلة الابتكارية، انقطعت هذه الصلة الوثيقة، ولم يعد أشباه أبي نواس يباهون مثله بأنهم من الفلاسفة الكبار، حتى على سبيل المزاح الذي لا يخلو من الجد، ولم يعد لفظ (الحكيم) يطلق على أمثال أبي تمام والمتنبي وأبي العلاء. وتحول الشاعر الى صانع ماهر، ترتبط مهارته بالتذييل على أشعار السابقين، ولا تفارق صنعته توليد الجديد من القديم بما لا يفارق قواعد القديم، وكان هذا (التذييل) في الشعر يوازي، في تصاعد تقاليد الاتباع، ما حدث في الفكر من غلبة جهد (الشرح) أو (الحاشية) على تآلف المتأخرين في علاقتهم بالسابقين، وذلك داخل دوائر التقليد المتجاوبة في معنى العقم.