يبدو ان الحضارة الغربية دخلت طور الانهيار والتحلل، مثلما توقع الفيلسوف الألماني شينجلر في منتصف القرن الماضي، لتضع البشرية أمام مفارقة تاريخية، حيث يستوي سلوك أبناء حضارة الألفية الثالثة وعصر العولمة، مع سلوك عصر الغابة والقبائل المتوحشة من أكلة لحوم البشر. فلقد حملت إلينا الأخبار قصة أول شركة للتجارة الالكترونية في الولايات المتحدة تمارس نشاطاً انفردت به، وتعرضه على عملائها من النخب الأمريكية عبر شبكة الانترنت. وينحصر نشاط الشركة الأمريكية في الاتجار بلحوم البشر، وتقوم بتوريد أية كميات لعملائها، حسب المواصفات القياسية التي يحددونها، من حيث الكمية والنوعية فائقة الجودة، وطريقة الطهي. وتطمئن الشركة الأمريكية عملاءها بأن لحوم البشر التي توردها لهم، هي جثث منتقاة بعناية، وتحت اشراف فريق طبي، يضمن خلوها من الأمراض مزمنة كانت أو مستعصية. المثير للقرف لحد الغثيان، ان الشركة الأمريكية التي تتاجر في لحوم البشر، لم تشعر بوخز ضمير، ولم تستشعر حجم الاندهاش الذي قد يزهق أرواح من يقرأون اعلانها، ونشرت إعلانها بدم بارد، وكأن الاتجار في لحوم البشر وأكلها مسألة مألوفة وعادية، ومستساغة، ليس من جهة ندرة اللحوم، بل من جهة الإطار الثقافي والمعرفي الحاكم لمجتمعها الغارق حتى نخاعه في تقليعات العولمة وكل ما هو مرتبط بالحضارة التي يندفع قطارها بلا موجهات من قيم أخلاقية أو مبادئ. وعندما أعدت التدقيق في إعلان الشركة الأمريكية حول بيع لحوم البشر لآكليها من الأمريكيين، أدركت أنني أخطأت فهم ما أخفاه الإعلان من معان، وما يعكسه من مفاهيم تسيطر على الحضارة التي تسعى أمريكا إلى عولمتها وفرضها على عالمنا. فمن جهة، لا فرق بين الزبائن الأمريكيين الذين يأكلون لحوم البشر، الذي تورده لهم الشركة الالكترونية، والساسة الأمريكيين الذين يمصون دماء الشعوب المستضعفة ويأكلون لحمها الهزيل على أجسادها النحيلة، وهم يوهمون العالم بأنهم يقدمون له يد المساعدة. وتساءلت: هل هناك من فرق بين من يأكل لحم البشر، ويعود بنا إلى مرحلة همجية وبربرية تجاوزتها الانسانية، بجهد متواصل عبر قرون، وبتطور في ادراكها العقلي والأخلاقي، بجهد من رسالات السماء؟ إلا انني استرجعت فحوى وخلاصة ما جسده الإعلان المثير لشركة بيع لحوم البشر، وقلت لنفسي ان الأمريكيين مصممون على اعادتنا إلى عصر أكلة لحوم البشر. واللهم احفظنا.