يحتاج الوعي إلى تأسيس يعتمد على وجود عوامل متعددة منها المعرفة والثقافة والعلاقات، وأخيراً الأدوات التي يعرف عصرنا منها الكثير. دار ذلك في ذهني وأنا أستمع إلى كثير من التعليقات عقب ما لاحظ الكثيرون ممن يعمل لديهم عاملات أندونيسيات مدى الاهتمام الذي انتابهن وهن يتابعن عبر قنوات التلفزة ما يجري في بلادهن من أحداث سبقت التغييرات السياسية الأخيرة في أندونيسيا. وأظن ان المتابعات استكملن ذلك بحوارات هاتفية وزدنها بالتعبير عن ذلك بحوارات مع أفراد الأسرة التي يعملن لديها، وهي حوارات لم تخل من آراء واتجاهات تنم عن وعي العاملات البسيطات ـ في نظرنا ـ وما يمتلكنه من معلومات ومعارف تدل على وجود خلفية أعمق بكثير من المستوى المهني الذي يمارسنه لدينا، كما يدل على وعي بنوع من المعرفة وحسن المتابعة. سر هذا الاهتمام ومصدر ما يمتلكنه من معارف حسب ما ذكرت احدى العاملات انه البيئة نفسها وما فيها من وسائل كثيرة جعلتهن على قدر من الوعي سواء كانت تلك الوسائل الأسرة ذاتها ومن بعدها المؤسسات التعليمية التي رغم الفقر إلا ان نسبة الذين يقرأون ويكتبون هناك كبيرة، ومتابعتهم الأحداث جيدة. وبالطبع فإنه بقدر ما يكون عليه الانسان من وعي وفهم على قدر ما يتحقق له من النجاح في وطنه، وما يمكن ان يصل إليه من قدرة على مواكبة كل جديد في العصر. وفي بلادنا ـ ولله الحمد ـ يمتلك الشباب والأجيال الجديدة تلك الوسائل العصرية وأحدثها وأكثرها تطوراً، فلا أظن ـ على سبيل المثال ـ ان هناك بيتا يخلو اليوم من تقنيات العصر من حاسوب وانترنت وغيرهما، ورغم ذلك لو سألنا البعض عن بديهيات أو وضعناهم في مواقف تطلبت حلولاً لعجزوا عن التوصل إليها. ولعلكم تابعتم مثل ما تابع الجميع صاحبنا المواطن الذي رغم الصحوة تعرض لعملية نصب تقليدية، ما كان ليحدث له ما حدث، وقد تأهب لقضاء اجازته السنوية في القاهرة، لو كان لديه فقط قليل من الوعي في كيفية تأمين نقوده وفي التعامل بحذر مع الغرباء. وبالطبع فإن هذا الرجل ليس وحده، فغيره كثيرون ممن يشربون من المقالب أشكالاً وألواناً في مختلف بلدان العالم بعضها يكون على أيدي رجال وأكثرها على أيدي نصابات شقراوات، يذوق مواطنونا وغيرهم بالطبع قسوة الاحتيال، ويتجرعون سموم النصب، ويعودون إلى الوطن خاليي الوفاض، لا يملكون إزاء تلك الفصول سوى الصمت والعمل بمبدأ «إذا بليتم فاستتروا». رغم اننا لسنا مجتمعاً منغلقاً، وظروف الاجيال الحاضرة أفضل بكثير ممن سبقوهم، فالتعايش والتعامل مع الثقافات المختلفة، وإن كان له بعض السلبيات إلا ان أوجه الايجاب فيه كثيرة.. فذلك ببساطة شديدة يعني الاطلالة على الآخرين والتعرف على عاداتهم وملامسة سلوكياتهم وأساليب حياتهم. ولا شك ان مثل هذا التعامل اليومي مع ثقافات أخرى يتيح للمرء فرصة الاستزادة وزيادة إدراكه واتساع أفقه لاحتواء المزيد، وهو احتكاك أرى فيه متعة تتحقق للطرفين اثر في الغير أو تأثر بما لديه.. ولكن تبقى انطلاقة بداية الوعي من البيئة. Email: fadheela@albayan.co.ae