لا أميل إلى أي مقارنة تضع المرأة التي أمضت حياتها في مرحلة ما قبل الطفرة والرفاه في مجتمع الإمارات في مرتبة أقل من هذه التي تحتلها نساء هذه الأيام، لا من حيث التعليم أو العمل أو الدور الفاعل والمؤثر في حركة المجتمع والأسرة والأبناء، دون ان يعني ذلك أي تقليل من شأن نساء اليوم أو المرأة حاليا، فهي تتحرك في محيطها بقدر المتاح من الفرص، وتؤدي دورها بقدر ما تلقت من تربية وحُصنت به من وعي وعلم. لكنني أعتقد ان أمهات الأمس كن أفضل حالاً من نساء اليوم، بالرغم من سوء الأحوال في البيئة العامة التي عاشت فيها تلك النساء، فقد أدين أدواراً عظيمة دون ان يسقطن في دوامات الصراعات، والمطالبة بالحقوق والمساواة، والشعور بالاضطهاد، والتفكك الأسري والخيانات الزوجية، وتحديات التربية والتمزق بين البيت والعمل، و... إلخ. ولأن المجتمع عاش حالة من الكفاف أو الفقر، وتوزعت مصادره الاقتصادية قديما على محاور محدودة جداً تراوحت في تلك المساحة الضيقة بين البحر والبر، غوصاً وصيداً وزراعة، ولأن عبء تدبير العيش ألقي جملة وتفصيلاً على الرجل دون ان تنأى المرأة بنفسها عن ذلك شعوراً منها بضرورة التعاون لمواجهة وحش الفقر وضيق الحال، جدف الرجل بين سفر وآخر ضارباً في آفاق الدنيا، مرتحلاً تتقاذفه الموانئ والبلدان، تاركاً عبء الأسرة والأبناء والبيت على كاهل المرأة. المرأة نعني بها الأم والزوجة والأخت والابنة والعمة و... وهنا يبدو مشهد الحياة في مدن الإمارات واحداً تقريباً، وتبدو المرأة عملاقاً في هذا المشهد، وكائناً صلباً يسد كل الثغرات التي خلفها غياب الرجل، بعنفوان يستحق الإعجاب، وصبر يستحق التوقف والتقدير. ليس صحيحاً كل هذا اللغط عن ان المرأة كانت هملاً بلا قيمة، ولا رأي وبلا مكانة ولا عمل، لقد كانت المرأة ـ في البادية وفي الريف وعلى ضفاف السواحل ـ هي محرك الحياة أو الدينامو الحقيقي معظم أيام العام، فهي التي أنجبت وقدمت للمجتمع كل هذه القامات العظيمة من الرجال الذين أقاموا صرح هذه الدولة وحفظوها، هي التي قومتهم، وحفظتهم، ودبرت أمور العائلة كلها، بينما الرجال غائبون في رحلات الغوص والتجارة. لذلك ـ ولأسباب حضارية اقتصادية ـ لم يحتج المجتمع في تلك الأيام للخادمة الأجنبية والطباخ والمربية والمزارع والسائق، وكل جيوش الخدم التي ترتع في منازلنا اليوم، لأننا صرنا أكثر غنى، وأكثر تقدماً! ولأن المرأة تعلمت وتوظفت، وما عادت قادرة على الوفاء بالتزامات الأسرة والأبناء بعد يوم عمل مرهق وشاق، خاصة وان الخادمة والمربية خيار سهل وميسور وفي متناول الجميع قانونياً ومادياً! أعتقد جازمةً ان المرأة اليوم والأمس وغداً هي في النهاية ابنة زمانها وظروفها، وبقدر ما تجبرها التحديات ـ كما تجبر الرجل ـ على التكيف وتكييف الحياة حولها، وبقدر ما تؤهل وتعد في المنزل والمدرسة والحياة، بقدر ما تكون وتلعب الدور المنوط بها، والمقارنات هنا تشبه الأحكام الجاهزة التي لا تخدم أحداً، بقدر ما تستهين بتطور المجتمع ومسيرته وحراكه الاجتماعي، فهذه المقارنات، وإثبات ان المرأة اليوم نالت حقوقها وخرجت من ظلمات الاضطهاد والانزواء وفقدان المكانة، و... إلخ، حديث يفتقر للعلمية والموضوعية، ويرمي إلى غايات أظنها مشبوهة بعض الشيء! Aisha@albayan.co.ae