لعله من السذاجة إعفاء أمريكا من إدراكها لنوايا شارون المبيتة بشن الحرب الإقليمية الخامسة ضد العرب، وأن الإتفاق متبادل على أن الفرصة الآن سانحة والظروف مواتية أكثر من أي وقت مضى لحسم الصراع العربي الإسرائيلي وإذعان العرب لشروط الاستسلام الإسرائيلي، وما تتابع الوسطاء الأمريكيين والغربيين بين الجانبين سوى مخدر للعرب بأوهام التسوية كسبا للوقت والتمويه على قرار الحرب. إذ رغم وحشية تنكيل إسرائيل بالفلسطينيين، مع إستمرار احتلالها لهضبة الجولان ومزارع شبعا اللبنانية، تواصل آليات الاعلام والدبلوماسية الأمريكية والغربية بنجاح إتهام العرب بممارسة العنف والإرهاب ضد إسرائيل، أو المساواة كحد أدنى بين الجلاد والضحية، وينطوي التحليل الإسرائيلي الأمريكي على إعتقاد أكيد بضعف الموقف العربي غير المسبوق في المقابل، سياسيا، وعسكريا، مما يؤهل إسرائيل لكسب جولة الحرب الخاطفة خلال فترة قصيرة، وذلك أن مصر وهي الدولة الأقوى عربيا لا تزال عند موقفها منذ عهد السادات على أن أكتوبر 1973 أخر حروبها مع إسرائيل، وأن السلام خيارها الاستراتيجي الوحيد، وحين هددت قيادات الليكود بضرب السد العالي واعادة احتلال سيناء، ثم أطلقت القوات الإسرائيلية النار وقتلت وأصابت بعض جنودها في رفح، رأت مصر أن مثل هذه الممارسات العدوانية مجرد (جر شكل)، بمعنى عدم استعدادها الإنجرار للشكل. ورغم أن الرئيس حسني مبارك أشار مرارا إلى أن القوات المصرية جاهزة للدفاع عن تراب الوطن وسيادته، ووعد بأن نكسة يونيو 1967 لن تتكرر مرة ثانية، يظل السؤال حائرا عن موقف مصر إذا بدأت إسرائيل بشن الحرب ضد أي طرف عربي آخر، ولعله الأكثر احتمالا بعد موافقة أمريكا على تحديد عمل قواتها المكلفة بالفصل بين القوات في سيناء بناء على طلب مصر التي تتكفل بنفقاتها! والشاهد أن إسرائيل بدأت بالفعل حربها الخامسة ضد العرب بدعوى كبح جماح إنتفاضة الأقصى، سواء عبر استخدام الطائرات (إف 16) وكافة الأسلحة الثقيلة، وتدمير مقرات السلطة الفلسطينية واجتياح أراضيها التي اكتسبت شرعيتها الدولية عبر قرارات الأمم المتحدة ومواثيق مدريد وأوسلو. وما القصف الصاروخي الإسرائيلي الذي تكرر مرتين حتى الآن ضد ردارات القوات السورية في لبنان، سوى مقدمة وذريعه للإيقاع بسوريا في شراك الحرب، خاصة وقد تواترت أخبار صحفية وتقارير دبلوماسية حول جولة شارون الأخيرة في عدد من العواصم الأوروبية، تفيد بأنه نقل إلى قادتها معلومات مخابراتية تزعم نشر شبكة من بطاريات الصواريخ الإيرانية في لبنان، وقالت صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية أن هذه المعلومات أدلى بها جندي سابق في الحرس الثوري الإيراني من اصل يهودي يدعى (محرابي)، في الوقت الذي نشرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية يوم 12 يوليو الجاري أن سوريا أجرت اختبارات قبل عشرة أيام على ما في حوزتها من الصواريخ (سكاد - بي) التي يصل مداها 300 كيلو متر، وأنها سبق وأجرت تجارب في سبتمبر من العام الماضي على صواريخ أبعد مدى، وهو ما يتيح تزويدها برؤوس كيماوية أو جرثومية تصل إلى أي مكان في إسرائيل، الأمر الذي يفسر مقولة الرئيس بشار الأسد من أن إسرائيل لن تكون بمنأى عن تكبد خسائر فادحة إذ غارت بالعدوان على سوريا، واشارت (هآرتس) إلى أن مصر تسعى كذلك إلى تطوير منظومة صواريخ أرض ـ أرض جديدة تزيد من دقة إصابتها للأهداف، وقالت أن إيران رغم انها لم تنجح في تطوير الصاروخ (شهاب3) حتى يصل مداه إلى 2000 كيلو متر، إلا أن ما لديها من الصواريخ قادرة على أن تطول أي مكان في إسرائيل، في إشارة ضمنية إلى وعود القيادة الإيرانية بأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت سوريا للعدوان الإسرائيلي.وفي العدد الصادر يوم 11 يوليو الماضي من نفس الصحيفة مقال خطير بقلم (جدعون سامت) قال فيه أن الأصوات الداعية للحرب في إسرائيل ليس لها مثيل في الاجماع منذ عشرين عاما، وأن جر إسرائيل للحرب لن يطول رغم وعود شارون بأن الأمر لا يعدو عملية دفاعية نشطة أو عملية جراحية لا مفر منها، وقال: من الأفضل إذن تحضير الملاجئ استعدادا للحرب. وكتب رحبعام زئيف في صحيفة معاريف يوم 12 يوليو مقالا تحت عنوان «سننتصر فقط إذا كان ردنا عليهم شديدا وحاسما»، ووجه خطابه إلى شارون: (قل للجيش أن يفعل ما يجب. فنحن نعرف أن ضبط النفس ليس من قاموسك).فإذا كان المجتمع الإسرائيلي يتداول علانية إسم الحرب القادمة ضد العرب (معركة حقل الأشداء)، وإذا كان مارتين أنديك أكبر خبراء أمريكا في شئون الشرق الأوسط يؤكد في أحاديثه مع عدد من الصحف الإسرائيلية أن الإنتفاضة فشلت وإسرائيل انتصرت عندما رفض جيرانها العرب العودة إلى الخيار العسكري فلماذا نتخلى عن دعم الإنتفاضة خط الدفاع الأمامي في الوطن العربي؟ ـ كاتب وصحفي مصري