في مدينة جنوة الايطالية المحاصرة بعشرين ألف شرطي، كان الثمانية الكبار مجتمعين لتخطيط مصير العالم في ظل العولمة كما يريدونها هم، في معزل عن المجتمعات المدنية التي نشأت خلال السنوات العشر الأخيرة.. ولكن هيهات! فقد تغير العالم بسرعة مدوخة وانقلبت الموازين السياسية بفضل ثورة الاتصالات وصحا من رقدة العدم غول الوعي الجماهيري رافعا شعار «لا عولمة بدون إنسان». يوم الأربعاء 18 يوليو سقطت أول ضحية لانتفاضة العولمة أمام عدسات المصورين وكاميراتهم برصاصة الشرطة الايطالية: شاب في الحادية والعشرين من جماعات الفوضويين (هكذا يسمون أنفسهم انتماء إلى أقطاب فلاسفة الفوضى أمثال بوفارين ونيتشه). أول ضحية ثم أعقبتها ضحية ثانية ومئات الجرحى من الجانبين: جانب المتظاهرين وجانب الشرطة. والثمانية الكبار مجتمعون في قمتهم وقد عبروا في بيان مقتضب عن أسفهم لسقوط ضحيتين وعزمهم على مواصلة القمة «من أجل عالم بلا حدود»! ويرد عليهم المتظاهرون على يافطاتهم الكبيرة قائلين: «من أجل عالم بلا إنسان». الرئيس بوش قال على صفحات جريدة «لوفيجارو» الفرنسية: «لا أمل أمام البلدان الفقيرة إلا بتقدم أكبر وأوسع للبلدان المتقدمة. نحن في يدنا الحل.. ساعدونا يا فقراء افريقيا وآسيا على أن نثرى أكثر ونتوسع وسنجركم وراءنا جرا ... فإننا نعيش في عالم واحد...». أما الرئيس جاك شيراك فقد قال في التلفزيون الفرنسي من جنوة: «اننا نسجل بكل اهتمام مظاهرات الجمعيات غير الحكومية ضدنا ونتفهم مطالب هذه الآلاف من الشباب والمثقفين. وأنا لا أقول بأن الحق أو الخطأ معهم لكني أدعو إلى تحليل أسباب هذه المظاهرات والبحث عن سبل لتلبية مطالبهم ...». هذه المظاهرات التي أصبحت عنيفة بدخول العنصر الفوضوي فيها، بدأت في أول اجتماعات المنظمة العالمية للتجارة في مدينة سياتل الأمريكية وتواصلت في مدينة نيس الفرنسية ثم استمرت في مدينة براج عاصمة التشيك. ويقول زعيمها الشهير جوزي بوفي رئيس الكونفدرالية الفرنسية للمزارعين: «اننا نرفض عولمة الاقتصاد والزراعة والصناعة على أساس فقدان الشعوب لتقاليدها العريقة ومبادئها الأخلاقية تحت وطأة السيطرة الأمريكية». ونذكر بأن جوزي بوفي الذي أودع السجن منذ عامين بتهمة تخريب محلات «ماك دونالد» هو الرمز الحقيقي لحركات رفض العولمة وهو الزعيم المحرك للتظاهرات الداعية للمحافظة على تراث الأمم المتميزة. والأمر العجيب هذا الاسبوع هو الموقف الذي اتخذه هذا الزعيم المسالم لدعم القضية الفلسطينية. فقد كتب جوزي بوفي يوم الخميس 19 يوليو الجاري على صفحات جريدة «ليبراسيون» الفرنسية مقالا فاجأ به كل المراقبين حين دعا اسرائيل بلهجة حادة إلى الجلاء عن أراضي فلسطين، مؤكدا ان الوجود الاسرائيلي على أرض فلسطين هو وجود استعماري لا يختلف عن أي استعمار آخر، بل وتحق مقاومته بكل الوسائل المتاحة حسب مبادئ منظمة الأمم المتحدة وميثاقها الأساسي. وأدان جوزي بوفي المجازر التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي ضد أطفال وشباب فلسطين. كان هذا الموقف جريئا وجديدا، وسمعت من كثير من المراقبين المتابعين لشأن العولمة بأن زعيم انتفاضة العولمة يتخذ انتفاضة الشعب الفلسطيني مثلا وقدوة لانها انتفاضة حق يقوم بها شعب مقموع باستعمار شرس لا يستعمل إلا منطق القوة العسكرية الغاشمة.. وكذلك الحال كما يفكر جوزي بوفي بالنسبة للعالم أجمع تحت سيطرة راعي العولمة: أمريكا وهي المستفيدة الأولى من اختفاء ثقافات الشعوب والأمم، لانها ـ دائما حسب جوزي بوفي ـ امبراطورية بدون تراث وبدون أمجاد وبدون لغة، ثم انها قامت كما قام نظام اسرائيل على موجات متعاقبة من الهجرات ـ منظمة ومتوحشة ـ وعلى عقيدة ابادة الشعب الأصيل: من يسمون الهنود الحمر في أمريكا وهم السكان الحقيقيون لأمريكا قبل الغزو الأبيض. وفي فلسطين شعب عربي مسلم ومسيحي تقع كذلك ابادته العرقية المتواترة بمرأى ومسمع من العالم ومن تلك الامبراطورية بالذات التي تتقدم على انها راعية لما يسمى السلام لكن بانحياز كامل وواضح لاسرائيل. وهذه الظاهرة العولمية الجديدة ... أي التي شكلت لها «سياسة خارجية» بدأت تلفت الأنظار وتهز الضمائر لانها أخذت منعرجا إنسانيا دوليا باحتضانها لقضية فلسطين باعتبارها قضية استعمار جائر متسلط على شعب أعزل. وفي هذا المنعرج المبارك، تقع علينا نحن العرب مسئوليات كبرى لاغتنام هذه المواقف لصالحنا وصالح قضيتنا الأولى: قضية فلسطين والقدس الشريف. ولا ننسى بأن مدينة الدوحة عاصمة دولة قطر هي التي ستحتضن المؤتمر العام للمنظمة العالمية للتجارة في غضون شهر نوفمبر المقبل.. وهو المؤتمر الذي تعتبر قمة جنوة تمهيدا له لانه سيضع الخطوط الرئيسية لتضامن العمالقة وتعاونهم في مجالات حيوية، كالتجارة الدولية والثورة الاتصالية وسياسة الطاقة والطاقة البديلة إلى جانب رسالة التربية والتعليم والسياسة الصحية. كل هذه المحاور ينتظر أن يعالجها مؤتمر الدوحة بعد أسابيع قليلة. وهو أول مؤتمر للمنظمة العالمية للتجارة في دولة من دول الخليج. وعلينا أن نستعد من اليوم بصورة ذكية تتعامل مع الحقائق لترشيد حركات الجمعيات والجماعات المناوئة للعولمة بعقد مؤتمر مواز لهم إلى جانب مؤتمر الدول، واحتضان حوار بديل لحوار الحكومات في كنف السلم والهدوء وقبول حق الاختلاف. ومن المعروف بأن وسائل الاعلام والاتصال من فضائيات عالمية وصحف دولية تسلط الأضواء على الحركات المعارضة للعولمة، لانها في الواقع تناصرها ضد «أمركة» الأمم على حساب العمال والمزارعين وعلى حساب تقاليد الشعوب ولغات الأمم وثقافاتها وتميزها عن بعضها. ثم لماذا نظل نحن العرب مجرد رجع الصدى لهذه الرياح الطيبة من الأفكار والمجتمعات المدنية والحوارات؟ لماذا لا ندخل حلبة التفكير والتدبير فتجمع الحكومات نخبها المثقفة والجامعية للتداول في هذه المحاور المستقبلية عوضا عن القعود والجمود؟ فإننا أمة لنا تميز ولنا جامعات ولنا مفكرون ولا تنقصنا إلا البصيرة ووحدة الصف. ولعل أولى أولوياتنا اليوم هي أن نغتنم هذا التحول الفكري لصالح فلسطين وصالح العرب. وقد رأينا في البيان الختامي ان العمالقة الثمانية ـ بما فيهم أمريكا ـ ساندوا مبدأ ارسال قوات سلام لحماية الشعب الفلسطيني. وبالطبع لم يأت هذا الموقف المفاجئ إلا نتيجة ضغط جوزي بوفي ورفاقه في الجمعيات المناهضة للعولمة الأمريكية. وهذا نفر مؤيد لقضية العرب يجب علينا نحن العرب أن نوظفه لصالحنا ونستمر فيه من خلال مؤتمر الدوحة المقبل أي مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة. ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر