دعوة مثيرة للدهشة والاستهجان تلك التي أطلقتها الأمم المتحدة للترويج للأغذية المعالجة جينياً ومهاجمة كل من يجرؤ على الاعتراض على هذه الأغذية، مع العلم أن الاعتراض لم يأت فقط من الدول «الغلبانة».. بل جاء من أطراف متعددة بدول العالم «الأول» ممن لا يعجبهم الموضوع برمته. قائمة المعترضين طويلة. وتضم إلى جانب الدول جماعات حقوق الانسان وجماعات الخضر ذات الصوت المسموع في أوروبا بالذات، أوروبا نفسها التي خاضت حرباً ضروساً ضد الولايات المتحدة قائدة عصبة المروجين للأغذية المعالجة جينيا، تلك الحرب استمرت طويلاً. ويبدو ان الأمر لم يحسم بصفة نهائية بين الصديقين الحميمين على ضفتي الأطلنطي، لكن الصداقة المتينة يمكن ان تتقطع عراها وتتحول إلى عداء مستحكم عندما تتعلق المسألة بما يلج إلى بطون الأوروبيين وما يدخل جيوب الأمريكان. والأمم المتحدة تتبنى ـ كما في حالات كثيرة لا يتسع المجال لحصرها ـ المواقف والدعاوى الأمريكية، والحجة المطروحة على السطح هنا ان الأغذية المعالجة جينياً تمثل الحل الممكن الوحيد تجاه «تسكين حدة نقص الغذاء في العالم» شريطة ان تستخدم «وفق معايير جيدة» والشرط كما هو واضح «فضفاض» ويسمح بتسريب أطنان من السموم إلى معدة العالم النامي ـ كما يسميه المروجون ـ و «النائم» في واقع الأمر. الدعوة الصادرة عن المنظمة العالمية لم تنكر حقيقة مهمة مفادها ان التحولات الجينية في المحاصيل لم تحصل بعد على صك القبول التام، إذ لابد أولاً من دراسة كل محصول على حدة وبذل المزيد من الجهود لـ «تلافي بعض الأخطار الممكنة». ويهاجم مسئولو المنظمة «الروايات المفزعة» ضد الأغذية المعالجة جينيا، فروايات الرعب هذه لا يروجها إلا مغرضون، كما يقولون: لكننا نسأل من هو الطرف المغرض الحقيقي في هذه الحالة؟ إننا لا يمكننا ان نثق في مزارعين لا يهمهم إلا تضخيم حجم انتاجهم لتزداد جيوبهم انتفاخاً حتى ولو على حساب صحة الانسان في بقاع شتى من العالم، هؤلاء المزارعون الذين يقطنون على الجانب البعيد من الأطلنطي ومن جاورهم هم الذين تعودوا ان يقذفوا بكميات هائلة مما ينتجون في قاع المحيط أو يحرقون جزءًا آخر لتزداد غلتهم المالية بغض النظر عن صراخ الجائعين وآلام المحتاجين، يبدو ان هؤلاء لن يعدموا حجة في ترويج بضاعتهم حتى ولو عن طريق بوق الأمم المتحدة.