إصلاح جامعة الدول العربية مطروح منذ نشأتها لأنها نشأت معيبة بإرادة منشئيها الذين حولوها - حسب تعبير واحد من كبار مسئوليها السابقين - إلى (ناد للدردشة) بسبب نصوص معينة معروفة في لائحتها. ورغم أن الحديث عن مشروع محدد للإصلاح اقترن باسم أمينها العام الجديد عمرو موسى فإن هذا الاقتران ليس اقتران السبب والنتيجة، بل اقتران مصادفة، فغير متصور بأي حال أن يكون صلاح حال منظمة تمثل أكثر من عشرين دولة مرهونا بذهاب شخص ومجيء شخص آخر في منصب الأمين العام. وغني عن القول أيضا أن الأمر في النهاية تحكمه سياسات الدول الأعضاء لا رغبة شخص ولا دولة بعينها. لكن ما يلفت النظر في هذا التصور ليس فقط تغليب نظرة شخصانية تغيب مؤثرات الواقع المتعين المتعددة وتختصر ما لا يجوز اختصاره، بل إن ما يلفت النظر فيه في المقام الأول أنه يطمس عمدا البعد الجماهيري لمساعي الاصلاح، فللمرة الأولى يتحدث صناع قرار عرب باهتمام جدي عن الرأي العام في دولهم واستحالة تجاهله كما كان قبلا. ومساعي الاصلاح دفعت اليها دوافع عديدة من بينها حدة السخط الجماهيري العربي على حال النظام الرسمي العربي خلال الشهور الأولى من انتفاضة الأقصى، فالشارع العربي الذي عبر عن حضوره بشكل واضح كان سببا مباشرا في عقد قمة القاهرة وإقرار دورية انعقاد القمة. وفي هذا السياق سارت الأمور دون أن يكون لمجيء عمرو موسى أثر كبير أو صغير في ذلك. واختصار الأمر في شخصه محاولة للهرب من حقيقة أن صانع القرار العربي استشعر ضغوطا من الشارع واستجاب لها. والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق حديث الإصلاح: ما طبيعة هذا الإصلاح؟ إن الحديث حتى الآن هو عن آليات تنعقد بشكل دوري، رغم أن هذه الآليات لم يؤد انعقادها بشكل دوري الى نتائج تذكر. فالقمتان السابقتان المنعقدتان في القاهرة وعمان لم تتأثر مقرراتهما بالاتجاه الى الإصلاح، ولجنة المقاطعة، التي كان من البديهي إحياء نشاطها في سياق التطورات التي شهدتها المنطقة تعاني من أن معظم الدول العربية تقاطع اجتماعاتها. والأمر نفسه ينطبق على كثير من الآليات المشابهة. والمنظمة منذ نشأتها لم تضع تصورا أيا كان نصيبه من الدقة والواقعية لبناء عالم عربي أكثر ترابطا، فضلا عن أن تفكر في الاتحاد أو الوحدة. ولم تنشئ سوقا عربية مشتركة ولم تضع اتفاقية الدفاع العربي المشترك موضع تنفيذ في أي من جولات الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني. وهي منذ أن نشأت وبحكم بنيتها عبرت عن تصورات صانع القرار العربي وحسب ولم تعبر عن المواطن العربي مثقفا كان أو رجل شارع وقد استهلكت طاقتها منذ أن نشأت مشكلات العلاقات الرسمية العربية ـ العربية. فلم تخل قمة عربية من مساع للمصالحة بين أطراف عربية، والأكثر بؤسا أن الأجواء العربية ما زالت بعد خمسين عاما من الجهود المتواصلة تحتاج الى تنقية. ولأن التوجه كان رسميا خالصا كانت الشعوب خارج اطار الاهتمام فلم تعن بالقيام بدور يذكر لبناء علاقات ثقافية عربية ـ عربية فبقيت المنطقة جزرا شبه منعزلة (الشام - الخليج - المغرب العربي) ... كما أنها لم تحاول التأثير في مسار علاقة الشعوب بالحكومات، فبقيت هذه العلاقة مختلة. فإذا كانت الأمة العربية تعاني مركبا من الأزمات العميقة تركت آثارها في خريطته ندوبا تمتد من المحيط الى الخليج بعضها غائر، فالنخبة الثقافية منقسمة في صراع إسلامي ـ علماني، والدول متعددة المذاهب تعاني استقطابا مذهبيا، والدول متعددة الأعراق تعاني استقطابا عرقيا و... وهذه التوترات بالطبع تنعكس على اداء المنظمة في الحاضر وستؤثر في مستقبلها. فهل بداية الطريق أن تقوم الأمة العربية باصلاح الجامعة العربية؟ أم أن تقوم الجامعة العربية باصلاح الأمة العربية؟!! ـ كاتب مصري