العملية الاجرامية التي قامت بها عناصر من جامعة «كاخ» اليمينية الصهيونية في ليلة يوم الخميس 19 يوليو الجاري ضد أسرة فلسطينية قرب حاجز ترقوميا ـ منطقة الخليل، وذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص بينهم رضيع في الشهر الخامس من عمره، استشهد بين يدي أمه مع والده، وجرح فيها أربعة فلسطينيين آخرين بينهم والدة الطفل الرضيع، تشكل حادثة مفصلية في هذه المرحلة من مراحل الصراع مع العدو الصهيوني، لانها كشفت بما لا يقبل التغطية والتمويه للخلايا الارهابية التي شكلها شارون وحكومته في الجناح «المدني» من اليهود، الذين يساهمون في تنفيذ خطته الاجرامية. وترمي هذه الخطة إلى: 1 ـ تصفية العناصر القيادية والناشطة في الانتفاضة والمقاومة بعمليات عسكرية مباشرة، منها ما يقوم به جيش الاحتلال باستخدام الدبابات أو المروحيات واقتحام مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية بالقوة المكشوفة والقبض على الأشخاص أو تصفيتهم أو تدمير بيوتهم وممتلكاتهم وحقولهم وأشجارهم ثم العودة إلى مواقع الاحتلال، ومنها ما تقوم به عناصر الموساد والشاباك ومن يرتبط بهم من العملاء، بطرق مختلفة وفي أماكن عدة من الضفة وغزة، وعرفت نماذج من عملياتهم باسم عمليات المستعربين، أي الذين يرتدون الزي العربي ويقومون بأنشطتهم التخريبية والارهابية في داخل الوسط العربي وكأنهم من الفلسطينيين. 2 ـ تصفية المواطنين الفلسطينيين على الطرقات وفي المواقع التي تصل إليهم فيها أيد يهودية من تلك العناصر المنظمة والمدربة على العمليات الارهابية، التي أطلقت تحت غطاء «الدفاع عن أمن المستوطنين»، ومنها الجماعة التي انطلقت في توقيت غير ملائم للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية ليلة الخميس الماضي، وهي جماعة تطلق على نفسها: «لجنة حماية الطرق». وتأتي هذه العملية في توقيت ضاق به الأمريكيون ولم تضبطه القيادة الصهيونية جيدا، فقد حدثت هذه العملية عشية انعقاد مؤتمر قمة الدول الصناعية «قمة الثمانية» في جنوة، وعشية المطالبة العربية، من خلال لجنة المتابعة الوزارية في الجامعة العربية، والمطالبة الفلسطينية، بوضع قوة مراقبة دولية ان لم يكن قوة حماية دولية، لرصد العمليات العدوانية التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني يوميا ضد الفلسطينيين، لبدء توقيت تنفيذ مبادرة تينيت وخطة ميتشيل. ولن يستطيع الأمريكيون الدفاع عن الكيان الصهيوني كما ينبغي في مناخ تنفيذ هذه العملية البشعة التي نفذها ارهابيو «كاخ».. ولذا قالت الادارة الأمريكية: «انها عملية بربرية»، واضطر شارون وموشيه كساف رئيس الكيان الصهيوني إلى ادانة العملية للتخفيف من وطأة الضغط الدولي عليهم وعلى حليفهم الأمريكي في قمة جنوة، قبل أن تتخذ قرارها بوضع مراقبين لما يسمى «وقف اطلاق النار»، على طريق تطبيق خطة ميتشيل، تشرف عليه الـ C.I.A أو يكون لها الدور الأكبر فيه. عبء جديد واذا كان اتخاذ قرار من هذا النوع يعد مقدمة لخطوة ايجابية نحو تنفيذ المطلب الفلسطيني والعربي منذ أن بدأت انتفاضة الأقصى بوضع قوة حماية دولية للشعب الفلسطيني من جهة، فانه يضع على كاهل الشعب الفلسطيني وعناصر الانتفاضة عبئا جديدا ثقيلا جدا يتمثل في انتشار كمائن قطعان المستعمرين في الضفة وغزة مزودين بأسلحتهم ومعداتهم، تغطيهم قوات الاحتلال وتساندهم، وتنسب إليهم حكومة العدو أعمالا يقومون بها ردا على أعمال المقاومة وعلى مقاومة الانتفاضة للاحتلال. وهذا النوع من العمليات، التي أرجح أن العدو سوف يركز عليها في المستقبل.. أي بعد وجود قوة مراقبين دولية بقيادة أمريكية، سوف يستخدمه العدو بديلا للتدخل المباشر لقواته في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وسوف يعمل على تقديم تلك العمليات على انها رد فعل على المقاومة والانتفاضة.. فيدين ما ندر منها، ويدعي انه يقاومها ويلاحق العناصر التي تقوم بها ليطلقهم بعد ساعة، أو ليحكم عليهم بدفع غرامة مقدارها «شيكل» واحد، يحصله عبر موجات احتجاج يهود العالم على الظلم الذي تلحقه حكومتهم «بالمدافعين عن حق اسرائيل في الوجود».. ولكنه لن يوقفها ولن يكف عن ممارستها بتخطيط أمني ومساندة عسكرية تامين واعتماد استراتيجي. إن هذه النقلة تضعنا أمام استحقاقات نقلة أخرى في العمل الفلسطيني والعمل العربي، إذ السؤال الذي يطرح في هذه الظروف والتطورات: ما هو الرد الملائم، وما الذي يمكن أن تسلكه المقاومة والسلطة والفعل العربي المناصر للانتفاضة والمقاومة لوضع حد لأسلوب جديد في تنفيذ برنامج قديم هو برنامج تصفية المقاومة والانتفاضة، ومن ثم تصفية الارادة الفلسطينية المقاومة وعزلها عن روح الأمة وعن الرأي العام العالمي وتأثيراته وتأثيره، وعن الجماهير العربية كلها؟ هل يكون ذلك باستمرار دعم الانتفاضة والمقاومة وتسويغ الفعل المشروع الذي تقومان به ضد الاحتلال والدفاع عنهما ومواكبة نشاطهما.. وهو أمر مطلوب، لكنه لا يقدم دفعا حقيقيا للعمل ضد الاحتلال يترك مرتسما واقعيا على الأرض من خلال المواجهة وأدواتها وعدتها وعددها وفعاليتها، ولا يدفع شرا محدقا بالمقاومة والانتفاضة والمدنيين الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني من أمثال الرضيعة التي استشهدت مؤخرا وانضمت لركب محمد الدرة وإيمان حجو من الأطفال الأبرياء، الذين تستهدفهم قوة الاحتلال الصهيوني؟ أم يكون ذلك بالتركيز على عمل عربي منشود ومطلوب يغاير كل ما رأيناه من عمل عربي حتى الآن.. عمل يجعل للقرارات العربية الضعيفة أو المقبولة مرحليا قوة حضور من خلال الالتزام بها ومراعاة تنفيذها بعد انتهاء الاجتماعات «القومية» والعودة إلى الأقطار الـ «ما فوق قومية»، حيث تمارس السياسة القطرية العربية في ظل تفعيل السيادة القطرية العربية التي كثيرا ما تتعارض مع القرارات القومية، التي تصدرها مؤسسة الجامعة العربية ومؤسسة القمة العربية؟ استحقاقات المرحلة ان استمرار التوجه للرأي العام العالمي، والرأي العام الامريكي على وجه التخصيص، وكذلك التوجه الى مجلس الامن الدولي وهيئة الامم المتحدة ومؤسساتها، ضروري جداً، وهو يستدعي اهتماماً خاصاً في هذه الظروف، لاسيما مع وجود قوة مراقبة دولية ينتظر منها العالم ان تحقق شيئاً ملموساً. وجعل الرأي العام متيقظاً لكل حدث يتم، والقاء ضوء كاف على ذلك الحدث من وجهة نظر عربية تكشف خطط العدو وممارساته وبرامجه العنصرية وعلى رأسها الاستيطان، مهمة حيوية مما يمكن ان يقوم به المثقفون والاعلاميون العرب، ومما يمكن ان تركز عليه المنظمات القومية في الوطن العربي مع نظيراتها الاقليمية والدولية، وكذلك مما يمكن ان تركز عليه الدبلوماسية العربية والفعل السياسي العربي العام. ولكن هل نضمن تنسيقاً عربياً وفق خطة متكاملة تمكن من اختراق الجدار الناري الذي يفرضه الاعلام الامريكي والصهيوني على الاعلام والعمل العربيين فضلاً عما يفرضه الاعلام والعمل السياسي ـ الثقافي اوالثقافي ـ السياسي العربيان على نفسيهما من جُدُر نارية فتاكة منها: الفرقة والتناحر والتقصير وعدم التمكن من استخدام ادوات العصر وتقنياته، والاستمرار في استخدام اسلوب خطاب تجاوزه الزمن ويرفضه منطق الكثيرين من ابناء عصرنا؟ اننا على اعتاب مرحلة مفصلية جديدة من مراحل الصراع العربي الصهيوني.. مرحلة لها خطورتها الكبيرة وحساباتها العسيرة، وهي تستدعي عملاً فلسطينيا وعربياً عاماً يحقق قدرة على الصمود والمواجهة في اتجاهات: ـ عملياتية تخص الانتفاضة والمقاومة وما يستجد في ساحتهما من معطيات وما يرتبه عليهما عدوان الصهاينة وحلفائهم وتطوير اساليبهم من استحقاقات في ساحة المواجهة الساخنة، وما يلحق بالاطفال الفلسطينيين، المستهدفين مثل الشباب والقادة من ابناء شعبنا الواقعين تحت الاحتلال، من خطر وتهديد وضائقات ومحن. ـ وضوح رؤية في الاوساط السياسية والثقافية والاعلامية العربية لكيفية التعامل مع المستجدات السياسية الدولية والمعطيات العملياتية في الارض المحتلة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته، وهي معطيات قد تفرض عودة الى خطة ميتشيل المجمع عليها دولياً الان. وهي خطة غير مقبولة قياساً لأوسلو الكارثة ـ التي غدت في السلم التراجعي لمرجعيات عملية السلام؟، بديلاً لمرجعية اوسلو البائسة، التي غدت بدورها بديلاً لمرجعية مدريد، التي اتت بديلاً بدورها ايضاً لمرجعية الامم المتحدة ومجلس الامن وقراراتهما التي كانت مجحفة الى حد كبير اصلاً بالفلسطينيين وبالقضية العربية العادلة. ـ برمجة لأساليب الاداء العربي في كل مجالاته، حيث يحقق ما يمكن تحقيقه من نجاح في ايصال وجهة النظر العربية، ومناصرة للانتفاضة والمقاومة في فلسطين وجنوب لبنان، من دون ادنى تفريط بحقهما المشروع في العمل ضد الاحتلال، ودعم هذا العمل بكل الوسائل، في كل المجالات والظروف والاحتمالات، كما يحقق ادنى حماية ممكنة للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال وتمكينه من الصمود والبقاء على مبدئيته وقدرته البطولية على العمل ضد قوة الاحتلال حتى التحرير. ـ العمل على احداث تغيير في الاداء العربي: الرسمي والشعبي، تجاه الانتفاضة والمقاومة، من شأنه ان يشعر الشعب الفلسطيني ومقاومته انهم ليسوا وحدهم في المعركة، ويشعر الجهات العربية بأن ما تقدمه وما تعد نفسها له في اطار ما نراه وما نتابعه من قرارات وتنفيذ سقيم لتلك القرارات.. ومن مرجعيات مستجدة سيمتها العامة التراجع المستمر عن الثوابت والمرجعيات التي كانت راسخة في الذاكرة والوجدان العربيين على الاقل، من شأنه ان يشعر اولئك جميعاً بضرورة التغيير الجذري في اساليب الاعداد والاستعداد والمواجهة واستحقاقاتها لكي يعرف الجميع ما الذي نعد انفسنا وشعبنا له بعد كل ما رأيناه وما نراه من تطوير لاساليب العدوان والابادة والنزوع العنصري الصهيوني ضد شعبنا وقضيتنا وامتنا العربية وعقيدتنا الدينية. ويأتي على رأس كل ما ذكرت في الاهمية والضرورة ان نبادر الى العمل المتكامل او المنسق بسرعة تتلاءم وتطور الاحداث وخطورة الارهاب الصهيوني المستمر والتجدد: ارهاب الدولة وارهاب المستعمرين «المستوطنين» الذين تنظمهم الدولة العنصرية برعاية امريكية لكل هذا النوع القذر من الارهاب، اخذين بعين الاعتبار القول الذي يستحق قدراً كبيراً من العناية والتفكير والتأمل في هذا العصر الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك. رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب