فيما يتعلق بالعلاقة الاستثنائية التي يسميها علماء السياسة والاجتماع بـ (الكريزما) أدت الى حالة استنفار دائم لثورة يوليو في مواجهة اسرائيل، وبناء على ذلك اندلعت معارك في شتى المجالات كانت أهمها في تقديري المواجهتان العسكريتان في عامي 1956 و1967. ففي المواجهة الأولى استطاع عبدالناصر بعلاقته الكريزمية أن يحقق نصرا سياسيا على ثلاث دول هي بريطانيا وفرنسا واسرائيل وهذا ما أكده وزير الدولة البريطاني الأسبق (أنتوني ناتنج) في مؤلفه الشهير عن (حرب السويس) وأشار الى أنه لولا التأييد الجماهيري الجارف لعبدالناصر ورفاقه ووقوف الدول العربية المستقلة آنذاك مع مصر ما كان في استطاعتها أن تجبر دولا عظمى مثل بريطانيا وفرنسا على الانحناء أمام ارادة الشعوب. وفي المواجهة الثانية كان عدوان يونيو 1967 بمثابة النكسة لثورة يوليو، لأن اسرائيل استطاعت الوصول الى عدوها اللدود في المنطقة وهو جمال عبدالناصر وظن البعض في ذلك الوقت أن ثورة يوليو قد انتهت مع هزيمة 1967. لكن المفاجأة.. أنه رغم وطأة الانكسار العسكري انطلقت الثورة - اذا جاز التعبير - بعد أن تحولت الى نظام تزيل آثار العدوان وتخوض حربا غير محدودة سميت (بحرب الاستنزاف) حتى تمكنت من لملمة الشمل وتبرئة الجراح وتحقيق نصر أكتوبر 1973، ولذلك حتى يومنا هذا تخشى اسرائيل أي قيادة عربية تاريخية على غرار عبدالناصر. أما فيما يتعلق بتبني ثورة يوليو للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب جميعا كان ذلك يعني أن التعاطي العربي مع الشأن الفلسطيني ليس من موقف منفرد ولكنه انعكاس لرؤية قومية بقيادة مصر منذ قيام الثورة في 23 يوليو 1952 ومع مرور الأيام بعث هذا الموقف الأمل ورد الثقة في نفوس الشعب الفلسطيني الذي كان يتجرع مرارة ضياع الوطن!! بعبارة أخرى حفز موقف ثورة يوليو من هذه القضية الفلسطينيين على إعادة تجميع وتنظيم أنفسهم ومن ثم انطلاق منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات كنقطة البداية للكفاح المسلح من أجل تحرير التراب الفلسطيني!! ولا ابالغ اذا قلت إن روح المقاومة والإصرار على تحدي آلة القتل والعدوان الاسرائيلية بقيادة مجرم الحرب أرييل شارون اليوم لم تأت من فراغ، بل هي نتاج عزيمة متأصلة في الشعب الفلسطيني ومردها ذلك التاريخ الطويل من عملية الاعداد والاستنفار خلال أكثر من أربعين عاما ارتبطت نفسيا وعمليا بدعم غير محدود من تلك الثورة المثيرة للجدل والتي خرج من رحمها كل حركات التحرير الوطني!! خلاصة القول.. إن ثورة الثالث والعشرين من يوليو كانت ثورة قومية فتجاوزت حدودها الجغرافية، وكانت ثورة استوعبت دروس التاريخ فكشفت حقيقة اسرائيل والصهيونية وتعاملت معهما كما ينبغي، فاستحقت وبشرف أن تكون العدو الأول لهما!! ـ كاتب وإعلامي مصري