وتنتهي أزمة بريطانيا مع مصر بسبب صوت العرب، ولكن التحقيق الرئاسي في برنامج الأزمة البديل لحديث الدكتور طه حسين مضى في طريقه حتى انتهى ظهر يوم الخميس 29 مارس، حيث أثبت في نهايته بمسئوليتي وحدي كاملة عن إجراء التعديل، وفي مساء نفس اليوم فوجئت باتصال من سامي شرف وكان قد استقر به الأمر سكرتيرا لجمال عبد الناصر يخبرني بأن الرئيس يريدني غدا في منزله بمنشية البكري في تمام الساعة الواحدة ظهرا عقب صلاة الجمعة. ودارت بي الهواجس ليلة كاملة، وتوالت على فكري احتمالات التأنيب، غير أن تأملي للأحداث وما آل إليه الاحتجاج البريطاني واللعبة التي أجادت واشنطن ممارستها خدمة لمصر ومحاولة للتقرب من عبد الناصر: جعلتني أتوقع منه لوما أقرب إلى عتاب الأحبة.. وقد شاركني هذا الرأي قريب صديق كان مستشارا قانونيا لجمال عبد الناصر هو المرحوم عميد فهمي السيد الذي سمع الرئيس وهو يطلع على نتيجة التحقيق وهو يبدي تقديره لتحملي المسئولية كمدير مسئول عن فريق العمل بصوت العرب الذي تسبب أحد أفراده في إجراء التعديل دون مشورتي. وجاء يوم الجمعة.. وفي تمام الساعة الواحدة أدخلني سامي شرف على الرئيس في مكتبه بالدور الأرضي، فوجدته واقفا أمام مكتبه يمد يديه معا ليأخذ بينهما يدي اليمنى في ترحيب حار أنساني تماما كل أفكار وهواجس برنامج الأزمة.. ثم أجلسني وقبل أن يجلس أمام مكتبه وهو يقول: معلهش إني طلبتك في يوم جمعة.. ولكن فجأة.. يكسو وجه عبد الناصر ملمح الجدية والصرامة ويميل نحوي وقد بقي جالسا إلى مكتبه وعيناه تتفرساني في تأمل نافذ وعميق.. ثم ينفجر ـ وأؤكد ـ ينفجر ـ ولكن في تتابع النبع بمياه منتظمة التدفق في غير ارتفاع صارخ أو تضاؤل فاتر.. فقد تحدث على امتداد ثلاث ساعات ما يصل بحساب الدقائق والكلمات إلى ما يتجاوز سبعين في المئة من وقت تحاوره معي في هذا اليوم وبعكس ما هو معروف عنه ومشهور له من أنه يستمع أكثر مما يتكلم. ويعنيني اليوم ـ ونحن نعيش ذكرى يوم 23 يوليو وبطلها الأول ـ بعض حديثه الذي يعكس أحد جوانب قناعات عبد الناصر بالجماهير العربية وضرورة قيامنا في صوت العرب بإيقاظ قدرتها على رؤية مصلحتها والعمل من أجل تحقيقها وفرضها قال في حديثه... عملك وزملاؤك في صوت العرب ناجح بكل المقاييس تماما زي ما أنا عايز. وده بيحملكم فيه مسئولية كبيرة.. مثلا جرعة أي حملة لازم تكون مضبوطة تماماً كما المطلوب.. فيه يا أحمد أرواح ممكن تضيع هدر في مظاهرة مش محسوب حسابها نتيجة شحنة حماس وإثارة زيادة في غير وقتها أو مكانها.. وزي ما بيقول المثل لكل مقام مقال.. ويتوالى الحوار دافقا ثريا حتى أفاجأ بفتح باب مكتب جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر يدلف منه صائحا بعفويته التي عرفت عنه: جرى إيه يا جمال.. أنا بقى لي ساعة ونص بره قلت أسّلى مع الأولاد.. وبعدين قررت أنقذ منك أحمد سعيد.. ويقف جمال ضاحكا بينما قمت مسرعا وأنا أرمق ساعة يدي وأجدها تجاوزت الرابعة عصرا بخمس عشرة دقيقة. وهنا أجد نفسي ملزما أدبيا بأن أبادره بنفسي بذكر موضوع برنامج الأزمة الذي استدعاني للقائه فور انتهاء مشكلته والتحقيق فيها.. وقلت: ـ اسمح لي سياتك بالاعتذار عن الخطأ اللي وقع من كام يوم في صوت العرب وسبب الأزمة مع الإنجليز وأفاجأ بعبد الناصر يقول متهونا: ـ الأزمة عدت والحمد لله. ثم إن الخطأ في العمل وارد.. المهم انه يكون بحسن نية مش بقصد أو حتى بجهل وبعدين ما يكونش مدمر مخرب للهدف بتاعنا. أنا مدرك تماما لمسئوليات صوت العرب وتشابكها وأحيانا تناقضها.. ودي أمور حتسبب دايما مشاكل.. إنما المهم دايما النتيجة العامة للعمل ولحملاتكم الرئيسية في صوت العرب.. حساب الأرباح لازم يفوق دايما حساب الخسائر. وخدها مني كلمة اوعى تنساها يوم.. صوت العرب النهاردة أكبر جيش ضارب عرفته في حياتي.. معاركه كبيرة.. وأسلحة دايما لازم تكون نافذة.. فهمت يا أحمد قيمة عملك وصوت العرب.. أكبر جيش عرفته في حياتي. ده السلاح الرئيسي في عملية إيقاظ قدرات العرب وتحديدهم لمصالحهم وعملهم على تحقيقها.. ـ وأتمتم بعبارات شكر وقد استولى على ابتهاج عظيم. وأدلف خارجا من مكتب وبيت عبد الناصر وزحام مشاعر وأفكار يجسد لي شخصية هذا الرجل الذي أو مض في أرض مصر شرارة أمل ـ تماما مثلما وصف عميد الأدب العربي طه حسين ثورة 23 يوليو -ولتشتعل المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط بقدرات وطموحات وثورات.. وأتذكر المفكر الفرنسي جوستاف لوبون وهو يحدد ويحلل ملامح الأبطال وصناع ثورة فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر رغم كل نهاياتهم المأساوية قائلا: - إن كل إنسان يملك القدرة على فعل شيء ما.. ولكن أفرادا قليلين هم الذين يعرفون قدراتهم.. وأفرادا أقل هم الذين يدركون كيف يستفيدون ويفيدون الغير عند استخدام هذه القدرات.. والبطل القائد الأمثل ذلك الذي يعرف في الظروف المواتية كيف يبصر جماعة بقدرات كل فرد فيها وقيمة مجموع هذه القدرات وكيف يجب أن يستعملوها ويفيدوا بها أنفسهم ومستقبل جماعتهم كله.. هكذا رأيت يومها بطل أبطال 23 يوليو 1952.. تماما كما وصفه المحلل الأشهر لثورة فرنسا الكبرى وأبطالها وأثرهم في شعب فرنسا وأوروبا والعالم رغم نهاياتهم المآساوية.. وتقفز إلى ذاكرتي ثلاثة أقوال لثلاثة أجانب لم يكونوا أبدا من محبي عبد الناصر، ولكن جسدت آراؤهم حقيقة بطولته. ـ فهذا زعيم فرنسا في القرن العشرين الرئيس الأسبق شارل ديجول يقول في عبد الناصر وهو يقرر التفكير في الموافقة على استقلال الجزائر: ـ إن فرنسا التي أشرف برئاستها أحوج ما تكون إلى الحفاظ على مصالحها وليس مستعمراتها وقد حاربنا مصر عبد الناصر سنة 56 لتبقى الجزائر فرنسية، أما وقد صمد ومعه الجزائريون لجيوشنا وأغراءاتنا يجب أن نبحث عن حلول توقف هذا النزيف الفرنسي الذي جعل حركة الجزائريين وإصرارهم على الاستقلال والإصرار التحرري القومي لعبد الناصر أخطر على فرنسا ومجتمعها وتراثها والمكانة التي نرجوها لها بين الشعوب وخاصة شعوب العرب. ـ ثم هذا هو كيسنجر المخطط اليهودي للسياسات الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين يهاجم الموقف الذي أضطرت واشنطن إلى وقوفه من حلفائها في لندن وباريس وتل أبيب في نهاية العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ويقول مؤكدا أخطار البطل عبد الناصر على الوجود الأمريكي العلني والسري في بلاد العرب: ـ لقد أخطأت واشنطن في مسايرتها للاتحاد السوفييتي في رفضها للعمليات الحربية البريطانية الفرنسية الإسرائيلية ضد عبد الناصر سنة 56 حتى يتم اسقاطه، ذلك أن يقيني أن المصلحة الأمريكية في سرعة ضرب ناصر قبل أن تسقط إستمرارية سياساته ونجاحاتها جميع حكومات أصدقائنا وحلفائنا في العواصم العربية. ـ أما مالكولم كير أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفونيا فقد أضطر إلى الاعتراف بزعامة عبد الناصر في كتابه (الحرب العربية الباردة عن جمال عبد الناصر ومنافسوه 1958- 1970) والذي ملأه نقدا هجوميا. ـ إن عبد الناصر كان يخطط لتقديم خدمة حقيقية للشعوب العربية.. ولو أنه عاش لفعل هذا.. وكان هذا سيعطي دليلا آخر على عظمته.. كان سيرسخ في الجماهير الوحدة العربية الشاملة والمرتبطة بقوة إيمانهم بزعامته حيث لم يتخل في أحلك الظروف عن مبادئة وإصراره مما جعل زعامته أسطورة باقية في شكل إيمان شعبي تماما مثل بقاء دورة الحياة. وهذا ليس مجرد وفاء للعهد ولذكرى الزعيم الذي قاد مسيرة الأمة العربية ردحا من الزمن غير قصير.. ولكن ـ وبرغم هذا. فمن الآن وصاعدا.. فعلى الأمة العربية أن تبحث لها عن بطل جديد. ـ الرئيس الأسبق لإذاعة صوت العرب