يلفت نظر المراقب للحالة السياسية في الشرق الأوسط، المدقق في تفاصيلها وملامحها المتراكمة والجديدة، أن الولايات المتحدة قد أصدرت خلال الأيام القليلة الماضية تحذيرا علنيا - للمرة الثالثة في غضون شهر تقريبا، - يفيد بتوقع أجهزة الاستخبارات الأميركية ما أسمته بعمليات إرهابية وشيكة تستهدف مصالح واشنطن في شبه الجزيرة العربية، ومن ثم فقد شددت الإدارة الأميركية على ضرورة أن يلتزم مواطنوها - العاملون والزائرون - في هذه المنطقة أقصى درجات الحذر. لكن الشيء الآخر الذي يلفت النظر أنه عندما يبحث المتابع عن مزيد من المعلومات في هذا الشأن يجد الباب موصدا أمامه، خاصة أن شبه الجزيرة العربية منطقة شاسعة وكبيرة، وتحتضن كثيرا من الدول العربية التي وقعت في بعضها - سابقا - أعمال إرهابية عدة، كان آخرها - كما يعرف الجميع - الهجوم الذي استهدف المدمرة الأميركية «كول» وهي راسية في ميناء عدن، وأسفر عن مقتل سبعة عشر بحارا من طاقمها. لكن الشيء المؤكد - بالرغم من هذا - أن هذه المنطقة الحيوية شديدة الحساسية تشترك مع دول العالم الأخرى، على اتساع الخريطة الدولية، في مصالح متعددة تتصدرها سوق الطاقة، مما يضع هذه المصالح في خانة العلاقات الاستراتيجية طويلة المدى، و من ثم فإن المنطقة تتضرر من التصريحات الأمريكية المتعاقبة التي توهم بأن هذه المنطقة واقعة تحت تهديد الإرهاب بصورة دائمة، وهو ما يصور شبه الجزيرة العربية في عيون الرأي العام العالمي على أنها «منطقة أزمة» مستمرة ودائمة. فإطلاق التحذيرات العلنية التي تنقلها وسائل الإعلام العالمية (بسرعتها المعهودة) على فترات متقاربة، دون سند أو توضيح يبررها، إنما يدل على أن هناك ضربا من التشوش والاضطراب في معالم الصورة السياسية التي تصدر من واشنطن. وهو ما نخشى أن يؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لما يُرجى منها، خاصة إذا أضفنا إلى هذه الصورة عدم وجود سياسة إيجابية تجاه مشكلات المنطقة بعامة، والتي يرى البعض أن إدارة الرئيس بوش لابد أن تكون قد بلورتها بعد الأشهر الستة التي انصرمت من عمر الإدارة الجديدة، ومن ثم يتعين أن تكون هذه الإدارة قد حددت مواقف إيجابية وفعالة بشأنها، حفاظا على توازن الدور الأميركي الذي تمارسه واشنطن في المناطق الساخنة على خريطة العالم. ولا شك في أن السياسة الأميركية تجاه الخليج اليوم تنطوي على كثير من المنطلقات التي ذهب زمانها، كما أن الكثير من صيغها قد باتت قديمة وغير قابلة للتطبيق، فقد أثبتت الوقائع، بما لا يخالطه الشك، أن بعض هذه المنطلقات تسير في الاتجاه الخطأ. وفي هذا المجال ربما كانت مراجعة جادة وذكية لهذه المنطلقات ضرورةً لازمة لبناء سياسات أمريكية جديدة، تعتمد على الشراكة وإتاحة الفرصة للأطراف الأخرى لممارسة دورها، بعيدا عن التصور الأحادي - وربما العلوي - للمشكلات العالقة التي لن تصل إلى نقطة الحل إلا من خلال سياسة المشاركة (في التشخيص والعلاج)، وهذا وحده هو الطريق الذي يمكن أن يوجه سياسة أعظم دولة في العالم إلى ملازمة الصواب والعدالة من ناحية والفاعلية والحسم من ناحية أخرى. إبان الحرب الباردة كانت منطلقات السياسة الأميركية في الخليج هي إبعاده عن النفوذ السوفييتي، ولكنها بثقل يدها (أو قل سياساتها) التي هدفت من ورائها إلى تحقيق مصالحها الخاصة وتعزيز نفوذها، من دون مراعاة طبيعة شعوب المنطقة ومصالحها المحلية، دفعت بعض تلك الشعوب والبلدان المختلفة في الخليج إلى شق عصا الطاعة. وربما يذكرنا ما حدث في إيران من تحول بأن المحرك الداخلي قد يكون أكثر أهمية وأعظم تأثيرا من المحرك الخارجي، كما أن الاتحاد السوفييتي نفسه لم يعد قائما، وكذلك من ورثوا دوره ليسوا راغبين في تعويق المصالح الغربية في الخليج. ولقد كانت الفكرة الثانية قائمة على أن تدفق نفط الخليج إلى أوروبا دون عوائق هو أمر ضروري لاستمرار ازدهارها الاقتصادي، ولم تعرقل هذا التدفق حتى الحرب العراقية - الإيرانية (التي استمرت لمدة ثمانية أعوام طوال)، كما لا توجد اليوم أية قوة عسكرية أو سياسية تنكر حرية الغرب في الحصول على النفط، ولم تحاول أية قوة شمولية في المنطقة أن تعوق هذا التدفق الذي أصبح ينظر إليه بوصفه اقتصادا ... قبل أن يكون سياسة. بهذا فإن المنطلقات السابقة لم تعد موجودة أو فاعلة فيما كان يسمى (حرية الوصول إلى منابع النفط)، بل إن الواضح أن شركات النفط الغربية تقود من جديد عمليات البحث عن هذه الماده الحيوية وتسويقها في شكل شراكة جديدة تحقق مصالح مشتركة للمنتجين والمستهلكين معا، وهو أمر يقوض - فيما يقوض - قدرة منتجي النفط على احتكار التحكم في أسعاره العالمية، أو الاستئثار بالنفوذ في آلياته. من جهة أخرى فإن المصالح المختلفة، مثل السوق المفتوحة وشراء السلاح، أصبحت من الأمور المسلم بأن الولايات المتحدة تستأثر بقيادتها، في ساحة واسعة من العرض والطلب يسيطر عليها أكبر اقتصاد عالمي هو اقتصاد الولايات المتحدة نفسه. ولعل العامل الآخر والمهم هو ما اصطلح على تعريفه بالعولمة التي تنتشر آثارها وتداعياتها بين دول وشعوب العالم، وتتجاوز هذه الآثار دائرة الاقتصاد وانسيابه العالمي، لتنعكس أيضا على السياسات المتبعة التي تجعل من الممكن التدخل في الشئون الداخلية لبلد أو إقليم حسب ما تراه القوى الكبرى من مصالح ومنطلقات يجيء في صدارتها ضرورة منع أية قوة متوسطة أو كبيرة من تهديد الاستقرار والأمن العالميين عن طريق استخدام القوة أو الإتيان بتصرفات حمقاء يمكنها الإخلال بالوضع الدولي القائم. وعلى المديين المتوسط والبعيد تعد أهم هذه القوى في الشرق الأوسط هي إسرائيل، حيث تريد هذه الأخيرة أن تُخضع الطوق الإقليمي المجاور لها لمتطلباتها الأمنية، وهي بذلك تعرض المصالح الأميركية ذاتها في المنطقة للخطر، بسبب تشكل رد الفعل الشعبي على ما يحدث أساسا في فلسطين. فإن كان هناك من يبرر أن يتعاطف اليهودي الأميركي في نيويورك مع الإسرائيلي لأسباب دينية وسياسية، فإنه من الطبيعي على الجهة الأخرى أن يتعاطف العربي والمسلم مع من يعتبره أخا له في فلسطين. ومن هنا فإنه عندما ترى الولايات المتحدة أن لا علاقة بين مصالحها وبين سياساتها في فلسطين تحديدا، تكون بذلك قد ابتعدت عن الطريق الرشيد والحصيف، وتجاوزت الواقع ومعادلاته الحاكمة، فتلك السياسات مختلفة الوجوه يعتبرها البعض مبررا لحملة معادية للولايات المتحدة، قد يسكب التيار المتشدد فوقها مزيدا من الزيت، لتندلع نار العنف على نطاق واسع. وساعتها تكون العربة قد انحدرت بنا إلى هاوية الخطر، خاصة أن تدهور الحالة في فلسطين اليوم ينذر باندلاع حرب، وذلك يمد معارضي سياسة الولايات المتحدة بالوقود الذي يحتاجونه لتصفية قضايا أخرى ظلت عالقة. التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في هذا الشأن هو الوصول إلى معادلة توازن بين الحفاظ على أمن إسرائيل و أمن الجوار العربي، في وقت تغيرت فيه المعادلة منذ أكثر من عشرين عاما بتوقيع بعض الدول العربية معاهدات مع إسرائيل، فقبلت بهذا المعنى بوجودها في المنطقة والتعامل معها، وعلق قبولها في التعامل على الوصول مع الفلسطينيين والسوريين لحل نهائي. الإدارة الأميركية السابقة بقيادة بيل كلينتون كان لها تصور بالعمل لإنهاء هاتين المسألتين، وقد بدأت بأكثرهما صعوبة وهي الموضوع الفلسطيني، ولكنها فشلت في مساعي «اللحظة الأخيرة»، وانزلق الجميع إلى دوامة العنف الذي بدوره يغذي العنف في دائرته الأوسع، وإن كان يرجع بعضه لذلك السبب (الإخفاق في إحلال السلام)، بينما بعضه الآخر تعلق بالسبب ذاته ... ولكن لأهداف أخرى. هذه المعضلة توحي بأنه يتعين على الولايات المتحدة إيجاد فلسفة سياسية جديدة تستند إلى قاعدة ضرورة أن تطبق القيم السياسية المعلنة التي تنادي بها دائما مثل حقوق الإنسان وحرية تقرير المصير وتجاوز مصالح جماعات الضغط التي لا ترى على البعد غير مصالح إسرائيل كما تحددها هي، مع ضرورة أن تطبق استراتيجيتها الجديدة المرتجاة متجاوزة الروابط السابقة، متوجهة إلى شراكة جديدة لا تعرض مصالحها للخطر و تحافظ أيضا على مصالح الشركاء الآخرين. هذه السياسة ليست هينة التطبيق، فعبر عقود من الزمن تراكمت صور راسخة لإسرائيل وللعرب يتعذر العدول عنها بين يوم وليلة في ذهن الرأي العام الأميركي، وهو ما يمثل ضغطا بالتالي على المشرع ومتخذ القرار، في ظل آليات سياسية معقدة تربط الإدارة الأمريكية (في مراحل صنع القرار) مع جهات أخرى في علاقات أكثر تعقيدا، بدءا من الكونجرس إلى جماعات الضغط، مرورا بمراكز الأبحاث والصحافة. لكن يبقى الأمر المهم هو وقوع أمن الخليج تحت تعهد أحادي الجانب يقوم بإنذار منتسبيه بالخطر المتطرف بين فترة وأخرى. فيصنع بذلك مثل الذي يحاكم المبلغ عن الحريق، دون أن ينظر إلى الأسباب التي تجعل مثل هذا الحريق ممكن الوقوع! أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت