نيويورك هذه المدينة الكبيرة، النشطة.. المدينة التي لا تنام، وهي تقود العالم.. حيث انها محور وعاصمة كل الدول بلا منازع، ومنها تصدر أكبر وأعظم القرارات.. إذا أرادت أفقدت دولة حريتها وقدراتها، وإذا أرادت رفعتها وأغنتها، فمدينة بقدر وعظمة نيويورك مليئة بالتناقضات، فهي مدينة المال والأعمال، الرخاء والغنى، كما انها مدينة الفقر والبؤس، بها أضخم العمارات وأفخمها، كما ان بها فقراء بلا مأوى، وهي دولة في داخل دولة، تحكى وتروى عنها قصص أغرب من الخيال. ولاية نيويورك عدد سكانها حوالي 19 مليون نسمة، أما مدينة نيويورك فيبلغ عدد سكانها حوالي 9 ملايين نسمة، وهي مدينة الثراء الفاحش الأقرب إلى الترف، ويتمثل في حي (منهاتن) أرقى وأغنى الأحياء التجارية والسكنية، يبلغ عدد سكانه حوالي 4 ملايين نسمة. كما انها مدينة الفقر المدقع الأقرب إلى الموت، ويعتبر حي (هارلم) خير دليل على ذلك، فهو أشهر أحياء الفقراء في العالم، هي عاصمة العالم، ولا ترضى أن تكون عاصمة دولة واحدة، فهي تضم أكثر من 99% من جنسيات العالم وأغلبهم من موظفي الأمم المتحدة، وأغلبهم غير راضين عن وضعهم، والسبب غلاء المعيشة وتناقضات المدينة، إذ تضم أغلى المحلات وأجمل البنايات، كما ان بها أناساً بلا مأوى، ينامون على الأرصفة، ومع ذلك فدول كثيرة تتنافس على تعيين مواطنيها في هيئة الأمم المتحدة. وأكثر ما يميز مدينة نيويورك انها المدينة الوحيدة التي شوارعها ذات اتجاه واحد، كما ان أغلب شوارعها تفتقد إلى الصيانة وكأنها أفقر مدينة، وأكثر من ذلك الازعاج الذي تحدثه (زمامير) السيارات، إذ ان سائقي السيارات في نيويورك يفعلون ذلك بسبب أو بدون، إلى أن أصبحت هذه الظاهرة من العادات السيئة التي تعودوا عليها، ولم يستطيعوا القضاء عليها، مع انها تسبب ازعاجاً لا داعي له للركاب والمارة المستجدين على مدينة نيويورك. وتعاني مدينة نيويورك من مشكلة مواقف السيارات وعدم توفرها ، مثلها مثل باقي المدن الأمريكية، إذ بها اعداد هائلة من السيارات تجاوزت في الولاية عشرة ملايين وخمسمئة ألف سيارة، أما في المدينة فقد تجاوزت مليوني سيارة. وأغرب ما يقال عن نيويورك ان بلديتها قررت تصليح وترميم الشوارع، لتكون أكثر سهولة ومرونة، ولكنها واجهت معارضة من أصحاب مصانع السيارات الذين واصلوا ضغوطهم بشكل غير مباشر لعدم انجاز المشروع وحجتهم في ذلك التكلفة العالية التي يحتاجها التنفيذ، لكن الحقيقة ـ كما يقال ـ انهم لا يريدون تصليح الشوارع حتى لا تعمر السيارات أكثر من اللازم، فأصحاب المال في مدينة نيويورك لهم دور خاص، ومن يمتلك المال يتحكم في كل شيء. وأهم ما استوقفني عندما كنت في زيارة إلى تلك المدينة، قصة شخص يبيع الفواكه في أحد شوارع نيويورك، سأله أحد الاخوان عن أسعار الفاكهة، رد عليه: هل أنتم عرب؟، فقال: نعم.. فقال بائع الفاكهة: بلهجة عربية مقبولة: أنا بنغالي!! فمن أين أنتم؟ رد عليه صاحبنا: من الإمارات العربية المتحدة، فقال وهو فرح مبتهج: أنا كنت أعمل في سوق السمك في ديرة بدبي، لفترة طويلة.. واستمر ضاحكاً: نعم، من سوق السمك في ديرة إلى بائع فواكه في نيويورك، وما زلت أذكر دبي بكل حب!! هذه هي مدينة نيويورك رغم تناقضاتها وسلبياتها، إلا انها ما زالت تشكل حلم ملايين البشر الذين لا يتوانون عن فعل أي شيء للعيش فيها!!