في السنوات الأولى من القرن العشرين كان الشاب المصري محجوب ثابت قد أصبح طبيبا، وكان ذلك فتحا مبينا بكل المقاييس، حين كانت مهنة الطب مقصورة أو تكاد على الأجانب، ومن ثم كان وجود طبيب ناجح من أهل الوطن أمرا نادرا وجديرا بكل احتفال. هكذا كان الدكتور الشاب محجوب بانتظاره مستقبل وردي من حيث المكانة الاجتماعية والاقبال المادي، يترقى في مدارج الطبابة والعلاج وتستمر خطاه ثابتة على الطريق الى أن يصبح صاحب عيادة شهيرة في باب اللوق أشهر ميدان للأطباء والمختبرات الطبية في ذلك الحين، ولعله يترقى الى أن يصبح وزيرا للصحة ولو في إحدى وزارات الأقلية الحزبية، دع عنك أن يحلق به طائر الحظ السعيد فيصبح مثلا ـ مثلاً ـ طبيبا للخاصة الملكية ويتخذ مقره في قصر عابدين العامر يهرول بين يديه الطواشية والأغوات من حاشية القصر ويسبقه لقب سعادة الدكتور محجوب باشا الطبيب الخصوصي للحضرة الملكية، الخ. لكن على من؟، إن الفتى الطبيب محجوب صرف النظر عن كل وعود الأبهة وكل ما يرتجيه أقرانه من شارات السلطة وعطايا السلطان: وما ظنك بطبيب يتوكل على مولاه ويشغل نفسه في تلك الفترة الباكرة بقضايا الفلاحين والكادحين والعمال، لم تكن سنه قد جاوزت السادسة والعشرين، حين حضر مؤتمر الحزب الوطني بعد رحيل زعيمه الشاب مصطفى كامل وشارك بنشاط مفعم في الدعوة الى إنشاء المدارس الليلية لتثقيف العمال ومكافحة أمية البسطاء المحرومين من أبناء الطبقات الشعبية الدنيا وتربيتهم وطنيا ناهيك عن الدعوة الى تنظيم صوتهم في نقابات ترعى حقوقهم وكان ذلك شيئا جديدا ودعوة مثيرة للاهتمام بل وللايداع في السجن في ذلك الحين، ولأن محجوب ثابت كان رجلا بالغ الاستقامة شديد الاخلاص فقد أعلن عن تبرعه بمعالجة العمال الفقراء وعائلاتهم بالمجان في عيادته التي كان وقته مقسوما بينها وبين منصبه كأستاذ في كلية الطب بالقصر العيني وبين الخطب التي يلقيها والمناظرات والندوات التي يشارك فيها داعيا الى حقوق العمال ومنوها بأهمية رفع الوعي العلمي والثقافي والوطني والنقابي بين صفوفهم، وبين أسفاره العديدة التي لم يكن يتورع عن الاقدام عليها، طبيبا متطوعا لصالح الهلال الأحمر التركي في حروب البلقان أو محاضرا مشاركا في المؤتمرات السياسية الدولية المعنية بشئون مصر والعروبة وعالم الاسلام أو نائبا في برلمانات العشرينيات عن مدينة الاسكندرية. يقول الاستاذ فتحي رضوان في كتاب جميل أصدره بعنوان (مشهورون ومنسيون): وعلى منبر البرلمان أسمع محجوب البلاد كل ما كان يدور في خلده وما يساوره من الأحلام، تحدث عن الجيش والطيران وعن الصحة والمستشفيات وعن التعليم والتأمينات الاجتماعية وعن استقلال القضاء وحماية حقوق المؤلفين وإنشاء نقابة الصحفيين وتوليد الكهرباء من خزان أسوان وتحويل القمامة الى سماء، الخ. وهكذا تحدث العم الدكتور محجوب ثابت وليس لامرئ أن يستهين بما تحدث به هذا الرجل المثقف العجيب، وكيف نستهين بدعوات وطروحات وأفكار عبر عنها صاحبها منذ 80 عاما فسبق زمانه وتفرد بدعواته في مرحلة كان الحديث فيها يدور حول المفاوضات والصراعات السياسية بين الأحزاب تنافسا من جانبها على مقاعد الحكم وآرائك الوزارة فإذا بنائب شاب - وقتها - يحدثهم عن اعادة تدوير النفايات وعن توليد الكهرباء في أسوان وعن إنشاء نقابة للصحفيين، وبمناسبة النقابة المذكورة، كان الصحفي لا تقبل شهادته في المحاكم قبل دعوة الدكتور ثابت بنحو 20 سنة قد تقل وقد تزيد ولم تنشأ نقابة صحفية إلا بعد دعوته تلك بنحو عشرين سنة أيضا، وكانت تضم المحررين وأصحاب الصحف ولم تصبح النقابة خالصة للصحفيين العاملين حسب الأصول إلا في عام 1955 أي بعد دعوة الدكتور ثابت الرائدة بنحو ثلاثين عاما، هذا في حين أن حقوق المؤلفين التي سبق الرجل للمطالبة باقرارها ما زالت أمرا مطروحا وقضية مثارة ومشكلة لم تجد حلا لها حتى كتابة هذه السطور، والله المستعان. مشكلة هذه الشخصية العجيبة أن كان محجوب ثابت مخلصا بشدة ازاء ما يعتقده وما يعبر عنه، لا يكاد يشعر بما حوله ولا بمن حوله، لا يعرف أحابيل السياسة ولا دهاء السياسيين، كان رجلا بريئا كما قد نسميه يكاد يصدق كل إنسان ولا يتصور أن في الدنيا شرا ولا خبثا ولا كذبا على الناس. لا عجب أن يرسم له قلم الأديب الكلاسيكي الساخر الشيخ عبدالعزيز البشري صورة قلمية في غاية الدقة والطرافة قال فيها: ـ الدكتور ثابت هو بحق من ميراثنا القومي، ولقد جرى عليه القدر فكان لابد للأمة من محجوب ثابت بأية طريقة: إنه في ميراثنا القومي لا يقل عن آثار سقارة وجامع السلطان ومقابر الخلفاء ولقد اصبح على الزمان جزءا من تقاليدنا الأهلية مثل حفلة المحمل (كسوة الكعبة الشريفة) ووفاء النيل وشم النسيم والدكتور في المصريين مثل انجلترا في الأمم: كل منهما يرى عليه للآخرين تبعات لا تنقضي، فإذا كان الكلام على النيل تولى الدكتور (الطبيب) الكلام وقاله على جمهرة المهندسين وكلما انتشرت في البلد مظاهره كان قائدها وكلما ساروا بجنازة (الشهيد) كان على رأس المشيعين فإذا كان اجتماع في الأزهر كان الدكتور فارسه الذي لا يشق له غبار واذا كانت مشاكل للعمال أبى الدكتور إلا أن ينفرد بها من دون الناس جميعا: كان نقيبا لعمال العنابر (السكة الحديد) ولفافي السجائر وسواقي الاتومبيلات وشيالي المحطات وخدم الفنادق والقهوات وجميع الطوائف من كل بدال وبقال وجزار. عبدالعزيز البشري يضع اللمسات الفنية الأخيرة على لوحته الموزاييك الساخرة فيقول عن صديقه وصديقنا الدكتور محجوب ثابت: ـ وفي الحق فإن الدكتور يرى نفسه مسئولا عن كل ما في البلد من هابط وصاعد وقائم وقاعد وغاد ورائح وسائح وبارح ودارج على متن الغبراء وطائر في جو السماء فإذا كانت هناك منطقة خارجة عن اختصاص الدكتور فهي، عيادته فقط. ولقد سقنا لك هذه الأحاديث عن الدكتور محجوب ثابت لأن الرجل كان يحلم أيضا بالوزارة لا على مستوى (عبده مشتاق) الذي يريد أن يكون وزيرا طلبا للأبهة وربما لجلب القروض والسماح بغير ضمان من خزائن البنوك، ولكن لأن محجوب ثابت رحمة الله عليه كان لديه أجندة يريد أن يطبقها في اصلاح الأحوال، وكان يرى نفسه أهلا لهذه المسئولية ويتكلم عن رغبته الوزارية تلك بكل صراحة أو بكل براءة وعفوية وسط مجتمع كانت أحاديث المناصب فيه تغلف بغلالات من نفاق وزلفى ومخاتلة من كل الأنواع ربما كان لسان حاله يردد أبياتا لا يدري الفقير كاتب السطور من أين حفظناها وهي على كل حال لشاعر لا نذكر له اسما يقول عن الشخص يرى نفسه أهلا للمنصب ولكن القوم يتخطونه لسبب غير معلوم، يقول الشاعر: وعزيز عليّ مدحى لنفسي ولكن قد سقته للدلالة وهو عيب يكاد يسقط فيه كل حر يريد ينصف حاله على أن حديث الوزارة وأحلام محجوب ثابت بها لم تفت شاعرا كبيرا آخر هو حافظ ابراهيم الذي كتب في ذلك أبياتا ساخرة من حلم الدكتور ثابت بالوزارة وأيضا بالزواج من فتاة أو امرأة جميلة تملأ حياته بهجة وترفا (وربما كان حلم الزواج يراود حافظ ابراهيم شخصيا)، وهنا يقول شاعر النيل: يبيت يحلم أحلاما مذهّبة تغني تفاسيرها عن علم ابن سيرين طورا وزيرا مشاعا في وزارته يصرف الأمر في كل الدواوين وتارة زوج بمطبول مدملجة حسناء تملك آلاف الفدادين يعفي من المهر إكراما للحْيته وما أظلته من دنيا ومن دين مع ذلك فقد لا تكتمل صورة هذه الشخصية الفريدة في تاريخنا العربي المعاصر إلا بعبارات كتبها العلامة السوري محمد كرد علي عضو المجمع في دمشق يصف صديقه محجوب ثابت قائلا: كان الى التفاؤل أميل الى التشاؤم: يرى الدنيا بعين المغتبط المحبور ويصمد للحوادث في احراج ساعاته لا يتأفف ولا يسخط مهما ألحت عليه الأوجاع، ما سمعته يطعن على أحد وقد آذوه غير مرة أما هو فإن علمه بل شيمته أن يصفح الصفح الجميل، قال الأستاذ فتحي رضوان: ولما فاضت روح محجوب وعلم بالنبأ صديقه محمود فهمي النقراشي وكان إذ ذاك وزيرا للداخلية أو المعارف أعلن الوزير الحداد في وزارته ودعا جميع الموظفين الى تشييع جثمان هذا البطل الذي خرج من الدنيا بلا ولد ولا زوجة ولا مال ولا منصب وقال النقراشي: اليوم لا عمل، اليوم يوم محجوب. ـ فكان ذلك ـ يضيف فتحي رضوان ـ كل ما ظفر به الدكتور محجوب ثابت بعد طول العناء.