مضى ثمانون عاما هذا الصيف على مغادرة والدي للبنان وقدومه الى الولايات المتحدة.كان عمره في ذلك الوقت 25 عاما. ولم يتمكن من العودة الى لبنان الا مرة واحدة، وكان ذلك في عام 1955، اي قبل وفاته في عام 1961. وبعد ذلك بعشرة اعوام، اي في عام 1971 وفي سن الخامسة والعشرين، قمت باقتفاء اثر رحلة العودة التي قام بها والدي الى تلال كسروان ومعي زوجتي ايلين وابننا جوزيف البالغ من العمر عاما واحدا. وبينما كنت واقفا امام ما تبقى من منزل والدي، وهو مبنى حجري مكون من غرفة واحدة بني على حافة الوادي الذي يشكل وسط بلدة كفرتة، شعرت بأن لي جذورا مزروعة بذلك المكان الذي يحدد الاصول التي انحدرت منها. لم أنس ابدا اهمية تلك التجربة. وفي الحقيقة انني كنت على الدوام ارى مسار حياتي وقد بدأ بوجود والدي في كفرتة. لقد بدأت الصلة التي شعرت بها بلبنان والعالم العربي ككل مع تلك المغامرة في عام 1971. ولم تنته عند ذلك الحد. وقد عملت تلك التجربة على تحويل مجرى حياتي وساهمت في صياغة طبيعة العمل الذي امتهنته في حياتي. تمكنت من احضار زوجتي وخمسة من اطفالي البالغين الى كفرتة في عام 1996. وبعد بضع سنوات رافقت أخي جون الى لبنان. وتمكن هو ايضا من جلب زوجته وثلاثة من ابنائه الى هناك في عام 1999. وفي هذا العام، بدأنا بمحاولة لجلب المزيد من عائلتنا الممتدة الى لبنان والعالم العربي. وأنا اكتب هذه المقالة في الوقت الذي عدنا لتونا من تلك الرحلة. فقد عدنا انا وأخي وأختي سلوى وعشرون آخرون من اقربائنا من زيارة عائلية لمصر ولبنان. وبالنسبة لمعظم افراد المجموعة كانت تلك هي الزيارة الاولى الى المنطقة. كانت رحلة رائعة لا تنسى وكانت بمثابة لحظة حاسمة بالنسبة للمجموعة. فقد قدمت درسا مهما يتعين علينا جميعا ان نتعلمه. وهناك في لبنان التقينا بأبناء عمومة وعمات لم نكن نعلم بوجودهم. وسمعنا بقصص لم نسمع بها من قبل. وشاهدنا بيوت وقرى آبائنا وأمهاتنا التي لم نكن نراها الا في الاحلام. ورحلنا عنها ونحن نحمل تجربة الماضي الذي عاشته اسرنا وارتباطا بواقع عائلتنا اللبنانية الحالي. وكان لتلك الرحلة اثر تحولّي في حياتنا. لقد عملت منذ زمن طويل على اثارة اهمية هذه التجربة للجالية العربية ولعملنا في الولايات المتحدة. ولفهم وجهة نظري، لابد من التفكير في الحقائق الديموغرافية في المجتمع الامريكي. فهناك 3.5 ملايين امريكي من اصل عربي. 90% منهم تقريبا ولدوا في الولايات المتحدة والغالبية العظمى منهم لم تزر العالم العربي على الاطلاق. لقد نجحنا في العقود الثلاثة الماضية في بناء وعي مجتمعي بتنظيم وتأسيس معاهد تولت مهمة التعبير عن همومنا ، وتشير بيانات الاستطلاع الخاصة بنا الى اننا كنا ناجحين الى حد ما. ان اكثر من 80% من العرب الامريكيين لديهم مشاعر قوية ازاء تراثهم واكثر من نصفهم عبّر عن وجود علاقة عاطفية قوية ببلدهم الاصلي. ويؤيد اكثر من 90% من الامريكيين العرب اقامة دولة فلسطينية وسيادة لبنان على أراضيه وانتهاج سياسة امريكية اكثر توازنا ازاء العالم العربي. ويعرّف اكثر من نصف العرب في امريكا انفسهم الآن عى انهم امريكيين عرب علاوة على ان نسبة اكبر من ذلك تربط هويتها ببلدها الاصلي (لبنان، سوريا، مصر، فلسطين، الخ). لكن معرفتهم بالمنطقة تبقى عمومية وغامضة وغير متجذرة في التجربة الشخصية. وبوجه عام، فإن الامريكيين العرب يعتبرون جالية عرقية ناجحة جدا، حيث تميز الكثيرون في مجال الاعمال وفي الحياة الثقافية والسياسية للولايات المتحدة. فهناك اثنان من الامريكيين العرب في حكومة الرئيس بوش وستة في الكونجرس و400 مسئول منتخب غيرهم وقضاة ورؤساء بلديات وهؤلاء جميعهم لهم سمعة طيبة في مجتمعاتهم كرواد في مجال الاعمال وكمحترفين في شتى المجالات ولكن من المهم ألا ننسى ان 80% منهم ولدوا في الولايات المتحدة. وأود ان ألفت نظر قرائي العرب الى انهم لا يعرفونكم وانتم لا تعرفونهم. هنالك اسباب عديدة تفسر هذا الانفصال ومعظم هذه الاسباب له علاقة بحقيقة ان معظم الامريكيين العرب هم احفاد الموجة الاولى من المهاجرين الذين قدموا الى البلاد قبل عام 1925 والغالبية العظمى من هذه المجموعة قدمت الى الولايات المتحدة ولم تستطع العودة ولو حتى لزيارة اوطانها الاصلية. فقد عملت حربان عالميتان وكساد عظيم والصراع من اجل ترسيخ انفسهم وعائلاتهم في الولايات المتحدة على استنفاد مواردهم وطاقاتهم. وكان للصورة النمطية السلبية عن العالم العربي اثرها على هذا الجيل تماما كما فعلت المفاهيم وواقع عدم الاستقرار والصراع الذي ميز معظم ما كان ينشر في الولايات المتحدة عن العالم العربي. وعلى اي حال ولأسباب عديدة، ترعرع جيل كامل من الامريكيين العرب وبلغوا سن الرشد دون ان يخوضوا تجربة دخول الشرق الاوسط. ان المشاعر حيال المنطقة لم تمت ابدا، لكن العلاقة الصحية والطبيعية التي تربط جالية عرقية ببلادها الاصلية لم تتطور ابدا. اما المهاجرون الاكثر حداثة من العالم العربي، فانهم يسافرون اليه للحفاظ على صلاتهم به وللاستثمار في المنطقة لكن الاجيال الاوسع من اولئك الذين ولدوا في الولايات المتحدة لا تفعل ذلك. واذا ما قدر للمجتمع ان يدرك طاقاته الكاملة وان يصبح جسرا للتواصل بين الولايات المتحدة والعالم العربي، فإنه يتعين ان يتم تصحيح هذا الوضع قبل ان يفوت الأوان. لقد قام اليهود الامريكيين الذين لم يأتوا من اسرائيل بتطوير برنامج خاص بتعاون ودعم كاملين من حكومة اسرائيل. لقد سمي هذا البرنامج بـ «عملية حق الولادة» ويضمن هذا البرنامج لكل طفل يهودي امريكي فرصة السفر الى اسرائيل واقامة صلة بتلك البلاد. يتعين علينا ان نقوم بالشيء نفسه قبل فوات الآوان. لماذا اقول ذلك؟ لأننا اذا انتظرنا فترة اطول من ذلك، فإن جيلا كاملا، الذين هم ابناء الموجة الاولى من المهاجرين العرب الى امريكا سيختفي وستكون العلاقة التي تربط ابناءهم بالمنطقة اكثر ضعفا بحيث يكون من الصعب اكثر البناء عليها. دعوني اقدم مثالا مقلقا عن عمق هذه المشكلة من التجربة اللبنانية التي تمثل في نهاية المطاف 60% من الجالية العربية الامريكية برمتها. فوفقا لبياناتنا الخاصة، فقد اكثر من نصف اللبنانيين والسوريين الذين قدموا الى الولايات المتحدة في الجزء الاول من القرن الماضي، فقدوا اسماء عائلاتهم لحظة دخولهم الولايات المتحدة. وبضربة واحدة وقحة، قام مسئولو الهجرة الامريكية بحذف اسماء عائلاتهم ببساطة من نماذج التقدم بطلب التجنيس وتركوا لهم اسماءهم الاولى وأسماء آبائهم فقط. وهذا هو السبب الذي جعل الكثير من العائلات العربية الامريكية تحمل اسماء مثل أبراهام وجنا وتوماس وعلي. وفي كثير من الحالات، نسي هؤلاء الامريكيون العرب اسماء عائلاتهم او لم يبلغوا بها. وهم يتذكرون سماعهم لأسماء قراهم او اسم احد اجدادهم ولكنهم يجهلون اسم عائلاتهم. وإذا ما ذهب جيل آخر، فإن القليل الذي مازالوا يذكرونه سيضيع. ومن اجل اعادة بناء تلك الصلة ولربط العرب الامريكيين يجذورهم ولمساعدتهم على تطوير اعجابهم وتقديرهم لبلدهم الام وللمنطقة ككل، يتوجب التحرك الآن. ومن خلال العمل مع قيادة العالم العربي، يمكننا ان نبدأ برنامجا يهدف الى اعادة التواصل الذي انقطع. واذا ما نجحنا في ذلك، فإن الخطوة التي تلي ذلك ستكون توسيع نطاق السياحة والاستثمار الشخصي وتعميق الاحساس بالارتباط السياسي. انها خطوة مهمة يتعين علينا اتخاذها لبناء مجتمعنا ومد جسر بين الولايات المتحدة والعالم العربي. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي