رغم أن ثورة 23 يوليو دخلت عامها الخمسين فإنها ما زالت تثير جدلا فكريا واسع النطاق على مستويات ثقافية عديدة بين أوساط المفكرين تارة والمؤرخين تارة أخرى، وحتى على مستوى رجل الشارع العادي في الوطن العربي من المحيط الى الخليج!! ويقينا أن هذا الجدل بكل توجهاته قد جعل ثورة يوليو تحتل مكانة متميزة في معظم المؤلفات العربية والدولية التي تناولت تاريخ العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية فضلا عن تصدرها الموسوعات المعرفية الحديثة!! وفي اعتقادي أن هذا الجدل أيضا مبعثه أن ثورة يوليو لم تكن حركة تغيير محدودة الأثر بموقعها (الجغرافي) وموضعها (التاريخي) كما يقول د. جمال حمدان في مؤلفه القيم شخصية مصر)!! على أي الأحوال مهما كان هذا الجدل يؤيد أو يعارض ثورة يوليو فمن الثابت أن أثرها السياسي قد تعدى الى كل البلدان العربية ودول العالم الثالث في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية!! ومن الثابت أيضا أن هذه الثورة قد واجهت عداء شديدا من قبل قوى سياسية بل و(دول) بسبب إنحيازها اللامحدود للشارع، ليس في مصر وحدها ولكن في كل أنحاء الوطن العربي. وعليه ان تناول ثورة 23 يوليو اليوم بعد تسعة وأربعين عاما من عمرها - في الواقع - ليس لتقويمها سلبا أو ايجابا أو لاعطائها قدرها الذي تستحقه لأنها بالفعل أضحت جزءا من التاريخ العربي المعاصر، وإنما لكشف جوانب من هذه الثورة للأجيال الجديدة التي لم تعاصرها أو لهؤلاء الذين يحملون في ذاكرتهم صورة ضبابية لها!! ومن بين هذه الجوانب علاقتها باسرائيل!! مما تقدم يبرز السؤال المهم: لماذا كان العداء السافر بين ثورة يوليو واسرائيل والصهيونية؟! بداية لابد أن نقرر أنه في عصر التحولات الجديدة نحو ما يسمى بالعولمة في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار نظام القطبية الثنائية في العلاقات السياسية الدولية تراجعت الكثير من الأفكار التي سادت في النصف الثاني من القرن الماضي مثل فكرة عدم الانحياز والحياد الايجابي وأثيرت شكوك حول فاعلية وجدوى فكرة (القومية) وطرحت أفكار أخرى منها غلبة المصالح القطرية (بضم القاف) على المصالح القومية، مما جعل البعض في عالمنا العربي يرفض الحديث عن التوحد العربي ويسود منطق التعامل المنفرد مع قضايا ومشكلات الأمة حسب درجة علاقة المصلحة!! ولاشك أن ثورة يوليو قبل نحو نصف قرن قد ناقضت هذه الأفكار الانعزالية وجعلت من القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للأمة العربية، وهكذا أصبحت تلك القضية محور اهتمام ثورة يوليو التي قامت بعد أربع سنوات من نكبة العرب الكبرى التي ضاعت فيها فلسطين وقامت على أنقاضها أول دولة صهيونية يهودية في العصر الحديث هي ما سميت بـ (اسرائيل). ولذلك كان العداء واضحا منذ البداية بين ثورة يوليو والكيان الصهيوني.. فالثورة المصرية رصدت تحركات اسرائيل وأطماعها في المنطقة العربية وقادت ما يمكن تسميته بحرب دعائية نفسية ضد اسرائيل. ولاشك أن موقف جمال عبدالناصر من اسرائيل قد أدى الى أمرين مهمين كلاهما يفسر سر عداء ثورة يوليو لاسرائيل والصهيونية والعكس: ـ الأمر الأول: تعميق العلاقة الاستثنائية التي تربط هذا القائد العربي وجماهير الأمة العربية. ـ الأمر الآخر: إعادة الأمل الى الشعب الفلسطيني في إمكانية العودة الى وطنه المغتصب. ـ كاتب وإعلامي مصري