دأبت بعض التحليلات النارية التي غالباً ما نسمعها من هنا ومن هناك، إزاء أي تحولات دولية، على إصباغها بصفة الراهن وردات الفعل الآنية، وربطها بحدث يتيم مقطوع الجذور عما قد يسبقه من مقدمات عديدة، تكاد تتجاوز في عمرها الزمني أحياناً، عقدا من الزمن أو ما ينيف عن ذلك بسنوات. ولعل البعض انطلق في تقييمه للخطوة الصينية - الروسية التي تمخضت عن اتفاقية صداقة بين البلدين، باعتبارها مجرد ردة فعل آنية على السلوك الأمريكي الأخير الذي تمثل في الإعلان عن الدرع الصاروخية، وتجاهل الاتفاقية الدولية لعام 1972 التي أبرمت بين الاتحاد السوفيتيي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تطالب بالحد من انتشار الأسلحة البالستية والنووية على المستوى العالمي، ولبت فيما مضى على ما يبدو، وحتى هذه اللحظة لا تزال تلبي طموح الصين، باعتبارها تؤمن مصالحها الإقليمية والدولية هي الأخرى. فالواقع الحقيقي جاء مخالفاً للكثير من التصريحات والتحليلات التي انطلقت من خلال هذا المنبر الإعلامي أو ذاك، خاصة إذا ما علمنا بشكل مسبق، أن العقد الأخير من القرن الماضي وما حمله من متغيرات دراماتيكية، قد عكس نفسه بشتى الطرق والأساليب، محدثاً تحولاً جذرياً في العلاقات الدولية بعامة، وفي العلاقات الصينية - الروسية بخاصة. بل أكثر من ذلك أن كلا البلدين قد تنبه قبل الانهيار الكبير، وتحديداً في العام 1989 لضرورة تحسين العلاقات التي كانت مشوبة بشيء من الخلافات الأيديولوجية قبل ذلك التاريخ، وقد زاد من حرص البلدين في التقارب، ذلك التحول الذي اختزل نظام الثنائية القطبية الذي كان قائماً بنظام القطب الواحد، الذي خلق جملة من المتاعب لا يستهان بها لكلا البلدين على المستوى الداخلي والإقليمي. ولا غرابة إذا ما اعتبرنا أن هذه التحولات الكبيرة والخطيرة، قد دفعت البلدين كليهما باتجاه حل كل المشكلات التي كانت عالقة منذ 40 عاماً أو أكثر بينهما، لدرجة لم تشهد مثل هذه الاندفاعة السريعة لترميم علاقات البلدين أية علاقات ثنائية على المستوى العالمي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أن مشكلة الحدود حلت بشكل كامل خلال أقل من سنتين ونصف السنة، والتي كانت تعتبر فيما مضى مثاراً للنزاعات بين البلدين، وعائقاً أساسياً، إذا ما تجاهلنا الخلافات الأيديولوجية، والتي على ما يبدو بعد أن اتضحت الكثير من القضايا كانت تستخدم كذريعة عند كلا الطرفين، ليس إلا. وليس من قبيل الصدفة أو التكهن أيضاً إذا ما اعتبرنا أن إعلان بكين عام 1996 جاء تأكيداً لتطور تلك العلاقات التي حملت بين ظهرانيها جملة من التطابق في المصالح المتعددة الجوانب بين روسيا والصين، وقد اعتبر هذا الإعلان في حينه وحتى هذه اللحظة الأرضية الصلبة والركيزة القوية للعلاقات القائمة بينهما على كل المستويات. ولا غرابة في الأمر أيضاً، إذا ما قلنا أن معاهدة الصداقة التي وقعت بين البلدين، هي نتيجة موضوعية لتطور تلك العلاقات، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الكبيرة والمذهلة على المستوى الكوني، التي بدأت تهدد مصالح كلا الطرفين، والتي من بينها الخطوة الأمريكية المخيفة التي تمثلت بإعلان الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ، والذي إذا ما حقق نجاحاً على أرض الواقع سيعيد كلا البلدين إلى قزمين عسكريين على المستوى الاستراتيجي رغم ما يمتلكانه من ترسانات نووية مخيفة ومرعبة. لكن قبل الإسهاب في الحديث عن المعاهدة، لا بد من التذكير باتفاقية الحد من قوات الحدود بين البلدين، وما تضمنه ذلك أيضاً، من عدم استخدام القوة أو التهديد بها في علاقاتهما المشتركة وضرورة تبادل المعلومات العسكرية. وعلى ما يبدو أن، إبرام هذه الاتفاقية أتاح فرصة إعادة انتشار قوات البلدين لمناطق أكثر حساسية وتركيز الجانب العسكري الروسي على حدوده الشرقية والجانب الصيني على حدوده الجنوبية. وقد جاءت هذه الاتفاقية بكل ما تضمنته من نقاط عسكرية وأمنية، كرد حقيقي على التوجهات الجديدة لحلف شمال الأطلسي الذي بدأ بالتوسع شرقاً، والذي تجاهل مصالح كلا البلدين، خاصة المصالح الروسية، التي طالبت الولايات المتحدة بإعطائها ضمانات خاصة بتوسيع الحلف شرقاً، والذي سينال من أمنها الاستراتيجي. ولعل الخطورة التي بدأت تحيق بالصين لم تقل عن الخطورة التي لفت عنق الجانب الروسي، بحيث أثيرت العديد من المشكلات الداخلية الصينية، بداية من مشكلة التبت وانتهاء بمشكلة الاقليات القومية، كمشكلة تركستان الشرقية والإشكاليات الملحقة بها، وأهمها القضية الاعتقادية وغيرها، وإثارة قضايا متعددة الجوانب والاتجاهات كقضية حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الاقليات، وابراز الجانب اللاهوتي الصيني من خلال زعيم الطائفة البوذية الدلاي لاما، وما إلى ذلك. ناهيك عن المشكلة التايوانية، التي وضعت الأمن القومي الصيني برمته على المحك، وزادت من الأعباء الصينية بحيث أدخلتها عنوة إلى ما يشبه سباق التسلح من جديد، في لحظة كانت تبحث فيها الصين، عن إيجاد علاقات شراكة اقتصادية مع محيطها الجغرافي كاليابان وإندونيسيا وسنغافورة وفيتنام وغيرها من الدول الآسيوية (المنضوية في إطار مجموعة آسيان)، إضافة إلى البحث الجاد عن شراكة متوازنة مع الاتحاد الأوروبي ومحاولة جلب الاستثمارات والرساميل الخارجية. كل هذه القضايا مجتمعة والتي تحمل الكثير من المخاطر، دفعت الدولتين كما أشرنا مبكراً للتفكير الجدي في خلق آليات، عبر الحوار الثنائي، للعودة مجدداً إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب واستعدادهما للبحث والتشاور مع أي دولة مهما قل شأنها أو علا ترغب في ذلك. باعتبار أن هذا التوجه بحد ذاته يعيد الهيبة لكلا الدولتين ويضاعف من نفوذهما على الساحة الدولية بشكل عام، ويقرب سياسات كلا الجانبين على كل المستويات الأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية من جهة، وبما يقلل من المشكلات الداخلية لدى الطرفين من جهة أخرى. ومن نافلة القول أن المعاهدة رغم ما استجد من متغيرات على المستوى الدولي، وما عكسته هذه المتغيرات بظلالها القاتمة على مصالح كلا البلدين، إلا أن المعاهدة التي وقعت، جاءت استكمالاً للبيان المشترك الذي صدر بين الدولتين في 23 أبريل 1997، بحيث انتقلت العلاقات من طور البيانات المشتركة التي تفتقد في جانبها القانوني إلى الإلزامية بالبنود وأن تطبيقاتها لدى طرفي الإعلان تبقى مرتهنة بمدى قناعة كل طرف على حدة باتخاذ موقف من هذه القضية أو تلك، وتبقى على الأغلب في إطار التفسيرات الخاصة بكل طرف على حده أيضاً، بينما المعاهدة تعتبر بكل بنودها ملزمة لطرفي التعاقد بكل حذافيرها .بمعنى آخر أن المعاهدة خلقت جواً مشتركاً وأهدافا موحدة في البحث عن دور دولي مستقبلي، يقوم على تحشيد الدول المتضررة من سياسة القطب الواحد، بعيداً عن التبشير بعودة الحرب الباردة، وقد ظللت هذه القضية بضرورة تفعيل دور الأمم المتحدة كإطار شامل لإيجاد الحلول لكل القضايا الدولية العالقة، أي محاولة جديدة لملء الفراغ الحاصل على المستوى العالمي، والتذكير مجدداً بأن العالم يقوم على مثلث متساوي الأضلاع ودون ذلك سيدفع العالم دفعاً قسرياً باتجاه الانفلات من عقاله، وتحميل الطرف الأمريكي مسئولية ما قد تؤول إليه الأمور على المستوى العالمي. ولعل التحذير الصيني المبطن بعض الشيء الذي وجهه الرئيس الصيني جيانج زيمين للولايات المتحدة والذي جاء فيه، بأنه لا يمكن لأي دولة «ضمان أمنها الخاص على حساب» أمن الدول الأخرى، مؤكداً في الوقت ذاته على أن الصين لن تقوم بما يلحق الضرر بروسيا بعد تحذيرات من خطر تمدد الصين نحو المناطق الروسية الشرقية، بداية تحول في سياسة كلا البلدين باتجاه مواقف موحدة في التصدي لمشاريع الولايات المتحدة التي تنال من مصالحهما أولاً، وفتح المجال أمام الكثير من الدول بما في ذلك المسماة بالدول المارقة للالتحاق بهذا التحالف ثانياً. وختاماً يمكننا القول ان هذه المعاهدة ،ستعيد الاعتبار للتعاون العسكري، حتى وإن أغفلت هذا الجانب من نصوصها المعلنة، وهذا الأمر بحد ذاته سيعيد التصنيع العسكري الروسي إلى سابق عصره، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الصين تعتبر أكبر مستورد للسلاح الروسي على الإطلاق. بمعنى آخر يجب أن لا نفاجأ إذا ما شهدنا الكثير من التجارب البالستية والنووية المشتركة بين الطرفين، كرد على نظام الدرع الصاروخية الأمريكية، الذي لا يزال محط انتقاد حتى من قبل حلفاء الولايات المتحدة، وبالتحديد الدول الأوروبية الغربية. ـ كاتب فلسطيني