ينعكس الخليط السكاني لمواطني الولايات المتحدة على تركيبة المدن والأحياء السكنية بما فيها العاصمة الأمريكية واشنطن، فكما ان للبيض مناطقهم فهناك مناطق للسود والآسيويين وذوي الأصول العرقية الأخرى، فيما توجد بعض الأحياء والمناطق المختلطة. ولان الجريمة عادة ما ترتبط بالفقر فان مناطق السود والآسيويين تعتبر أكثر المناطق التي تنتشر فيها الجرائم في العاصمة واشنطن، وبعض هذه المناطق لا يبعد كثيرا عن البيت الأبيض أكثر من بضع مئات من الأمتار. جاءني صاحبي بعد الحادية عشرة ليلا وقد أحضر معه سيارة أمريكية فاخرة من طراز «لينكون تاون» قال لي انه استأجرها بحوالي مئة دولار لليلة، ولما سألته عن سر استخدامها قال لي بعدما ركبت إلى جواره: إن مناطق السود والآسيويين التي سندخلها الآن مناطق خطرة للغاية وفي مثل هذه الأوقات ينتشر مروجو المخدرات على أطراف الشوارع وكذلك كل مروجي الآفات الأخرى والمجرمون يتعاملون بحذر وشك مع من يدخل مناطقهم، وهذه السيارة الفاخرة سوف تحمينا من فضولهم لان ركاب مثل هذه السيارات الذين يدخلون هذه المناطق في الليل إما أن يكونوا مدمنين أثرياء يبحثون عمن يبيعهم جرعة من المخدرات، أو من رجال الأمن الأمريكيين يقومون بدوريات سرية، ولهذا لا يقترب المجرمون بسهولة من سياراتهم. انحنى صاحبي إلى شارع جانبي بدت فيه الأضواء خافتة وتغلب الظلمة الضوء في مناحي كثيرة منه فيما ينتشر شباب بدا تحت الضوء الخافت انهم آسيويون أمام بعض الأبواب أو تحت بعض أعمدة الإنارة الخافتة، شعرت بالخوف لا سيما بعدما لاحظت ان الكل يطالعنا وطلبت من صاحبي الذي كان يتهادى بالسيارة وهو يشرح لي ما يدور حولنا ـ طلبت منه أن يسرع لكنه كألم يسمعني، وانحرف بالسيارة إلى شارع جانبي وبدا انه دخل حيا آخر. كان بعض السود يقفون فرادى أو تجمعات صغيرة تحت الأضواء الخافتة يرمقوننا، وقال صاحبي: ان كل منطقة من التي مررنا بها تمثل منطقة نفوذ لعصابة من العصابات ولا تجرؤ عصابة أن تتجاوز حدودها أو تخطف أحد الزبائن من مناطق العصابة الأخرى، وإلا تسمع طلقة واحدة تعقبها حرب طاحنة يسقط فيها عدد من القتلى والجرحى وعادة ما تتأخر الشرطة ولا تدخل إلى المنطقة إلا بعد انتهاء المعركة تماما. أخيرا خرجنا أحياء من مناطق الخوف والجريمة في واشنطن وأذكر ان النوم قد فارق عيوني في تلك الليلة وكان من الطبيعي أن تتصدر عناوين صحف الصباح أخبار جرائم قتل وقعت داخل العاصمة في مكان ما بها في الليلة السابقة حيث يتجاوز عدد القتلى سنويا في واشنطن حسب آخر الاحصاءات خمسمئة قتيل، وفي العام الماضي أصدر الكاتبان الفرنسيان آلان باور واميل باراز كتابا قيما تحت عنوان «أمريكا.. العنف والجريمة» قاما فيه بمسح شامل عن ثقافة الجريمة في المجتمع الأمريكي، وخلصا فيه إلى ان الاجرام يكاد يمثل ثقافة قومية لدى الأمريكيين، وهذه خصوصية تعود جذورها إلى نشأة هذا المجتمع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث كانت الدفعات الأولى من المهاجرين إلى العالم الجديد هم من عتاة المجرمين الذين كانوا يقضون فترات عقوبة في السجون البريطانية، وانهم قاموا بانتزاع الأرض من سكانها الأصليين بصورة دموية، وبالتالي فإن ملكية السلاح للمدنيين الأمريكيين جزء من هذه الثقافة حتى ان المدنيين الأمريكيين يملكون حوالي مئتي مليون قطعة سلاح سواء بصورة شرعية أو غير شرعية. ويخلص الكاتبان إلى ان الولايات المتحدة مازالت أعلى دول العالم في نسبة القتل بالأسلحة النارية، حيث تبلغ النسبة فيها ثلاثة أضعاف فرنسا وأربعة أضعاف كندا، وسبعة أضعاف البلدان الاسكندنافية، وخلال الأربعين عاما الماضية لقي 750 ألف أمريكي مصرعهم في جرائم قتل بالرصاص. وطبقا للاحصاءات المنشورة عام ثمانية وتسعين فان جريمة سرقة عادية تحدث كل ثلاث ثوان، وجريمة سطو كل 14 ثانية، وجريمة سرقة سيارة كل 25 ثانية، وجريمة اغتصاب كل ست دقائق، وجريمة قتل كل 31 دقيقة، وجريمة سرقة مقرونة بالعنف كل 60 ثانية. أما الكلفة الاجمالية للجريمة في الولايات المتحدة فإنها تصل سنويا إلى 700 مليون دولار، وذلك حسب احصائية منشورة عام 1996، توزع على علاج الضحايا والتعويضات والتأمينات والانفاق على الجهاز الأمني والقضائي وإدارة السجون، وكلفة المسروقات والممتلكات المحروقة عمدا. وبالتالي فإن كل مواطن أمريكي يكلف خزينة الدولة 2500 دولار سنويا للحفاظ على أمنه دون جدوى، وهذا مبلغ خرافي ومرعب في دولة تقود العالم وتعجز عن الحفاظ على أمنها الداخلي وتنتشر الجريمة والخوف فيها بهذا الشكل المرعب. فإذا كانت العاصمة «واشنطن» تعني في نظر العالم القوة والهيمنة والسيطرة ومكان تقديم الهبات والقربات وطلب الحماية، فإنها في حقيقة الأمر أيضا هي عاصمة الرعب والخوف والجريمة. ـ كاتب واعلامي مصري