في ظرف سياسي استثنائي شديد التعقيد، كهذا الذي تعيشه منطقة الخليج والشرق الأوسط، تأتي زيارة سمو الشيخ حمدان بن زايد والوفد المرافق لايران خطوة في غاية الحكمة، ورسالة مليئة بالإشارات والمعاني والدلالات، في واقع تتحرك فيه المنطقة باتجاهات مقلقة، وتلعب مصالح الدول الكبرى ـ وتحديداً المصالح الأمريكية ـ دورها في تغذية هذه الاتجاهات بين الأخوة والجيران لغايات معروفة. يذهب وفد الإمارات إلى إيران ناقلاً التهاني للرئيس خاتمي بتجديد انتخابه لولاية رئاسية أخرى، وحاملاً في الوقت ذاته براهينه وأدلته الواضحة على حسن نوايا دولة الامارات رئيسا وحكومة وشعباً تجاه الجارة إيران، وتجاه الأخوة هناك، حيث للسياسة موازينها واعتباراتها، كما ان للجوار حقوقه وتبعاته، وللأزمات أساليب احتوائها وادارتها. المسئولون في إيران قالوا كثيراً حول موقف الإمارات المتشدد، وحول عدم قيام مسئولين إماراتيين بزيارة طهران لإجراء مباحثات مباشرة حول قضية الجزر، بينما كانت الإمارات في كل مناسبة تقدم للعالم ولصناع القرار في طهران، وللشارع الإيراني ما يكفي من الأدلة على توجهاتها الأخوية والسلمية لحل القضية الشائكة دون ان نقول يوماً بأننا على استعداد للتنازل عن حقوقنا. إن الوفد الرسمي للإمارات برئاسة سمو الشيخ حمدان بن زايد يحمل تطلعاً وتفاؤلاً بمرحلة إيرانية ـ إماراتية أكثر تقارباً وتفاهماً فيما يتعلق بشأن الجزر، ذلك ان خلفية العلاقة المتجذرة تاريخياً بالجارة إيران، وسياسات الرئيس الليبرالي المنفتح (محمد خاتمي)، وأوضاع المنطقة الشرق أوسطية التي تدفع بها الصراعات والنزاعات نحو احتمالات عنف غير منظورة النتائج، كل هذه المعطيات تصب في صالح التوجه العقلاني الذي تنتهجه الإمارات بقيادة رئيسها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي ذهب الوفد الإماراتي اليوم إلى إيران لأجل تبليغه للمرة الألف للأخوة في طهران. إن إيران ثقل سياسي واستراتيجي وعسكري قوي نعلمه جيداً، وهو أحد عوامل التوازن الخطيرة في المنطقة في ظل الصراع الهندي ـ الباكستاني على كشمير، وعدم الاستقرار في أفغانستان والوضع المتفجر في الأراضي الفلسطينية والذي يقوده جنرال الحرب الشرس (ارييل شارون) نحو هاوية حرب حقيقية يتحاشاها الجميع لأنها لن تكون في صالح أحد، اضافة للوضع المتوتر بشكل عام بسبب التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة والتهديدات الأصولية ـ كما تطلق عليها أمريكا ـ ووضعية العراق والكويت، وتدني أسعار النفط وأزمات أخرى لا حصر لها. انه وفي ظل أوضاع غير مطمئنة تماماً كهذه، وفي ظل أنظمة وشعوب تحلم بشيء من الاستقرار وتنفق دخولاً خيالية على برامج التنمية، وترغب في ردم الهوة مع دول التقدم العلمي والصناعي، هنا تصبح الزيارة بادرة حضارية تعي كل هذه الحساسيات وترغب في معادلة سلمية مطلوبة وبشدة.