23 يوليو 1952 يوم سيبقى صارخا مؤكدا للدنيا بأن مصر يمكن أن تستيقظ وتصنع ثورة وتقيم نهضة على أنقاض نظام حكم تقضي فيه على متسلطين عليها ولصوص لثرواتها محتكرين لأرزاق الشعب، «حية لا تنام» تماما مثلما وصفها. عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في رسالة بعث بها يوم 9 يوليو سنة 1953 إلى زوج ابنته الدبلوماسي المصري الشاب الدكتور محمد حسن الزيات الذي صار وزيرا للخارجية المصرية فيما بعد. وكم كان طه حسين حكيما كعادته في تقييمه لهذا اليوم وللرجل الذي حمل بعده عبء تحقيق أهداف صناع ثورته، عندما سجل في الخامس من أكتوبر سنة 1970 رثاءة لجمال عبد الناصر وقوله فيه (لقد حاول موفقا إلى ابعد الحدود إلغاء الطبقات والأخذ بيد الضعفاء الفقراء وتحقيق المساواة الكاملة بين المواطنين). والحق يقال: إن من الناس من يفكر.. ومن الناس من يقرر .. ومن الناس من ينفذ.. ومن الناس من هو كل هذا معا وهذا هو القائد!! كذلك من الناس من يحلم بالغير.. ومن الناس من يؤمن فيه الغير.. ومن الناس من يلقي دائما بشخصه وفكره وظله على الغير.. وهذا هو البطل!! هكذا كان جمال عبد الناصر.. المه واقع العرب المرير سنة 1948 عندما كان يحارب المخطط الاستعماري لزرع الفئة الصهيونية المعادية للعرب في قلب الوطن حيث فلسطين.. ووجد أن حربه مع الأعداء تبدأ بتحرير القاهرة من حكم فاسد يمالئهم.. فكان أن قرر الاعداد لحركة تقضي على هذا الحكم وتحرر صناعة القرار في البلاد، وبدءا من 23 يوليو قاد رفاق السلاح لتحقيق الحلم ملقيا بظل مبادئه وقناعته على ملايين عربية وأخرى أفريقية وآسيوية وكذلك لاتينية، خلال مواقف ومعارك ومعاناة مما جعله واحدا من قادة الشعوب وأبطال التحرير الذين اعترف بهم بشر القرن العشرين. وليس أدل على شموخ البطولة عند عبد الناصر من ذلك الدوي الهائل المتصل الذي يبقيه رمزا لحلم أمة في وحدتها وتحررها وكرامتها رغم أنه مات وهزيمة 67 تمسك بنجاحاته وكبريائه وتهدد أمله وما تزال!! فكيف يبقى مثله بطلا وقائدا وزعيما دائما خالدا؟! سؤال قديم يتجدد دائما مع كل انتكاس عربي وانكسار قومي أو اختناق إقليمي أوهوان إنساني.. إذ تتلفت الجماهير اليوم وأبدأ بحثا عن شموخ بطل وعنفوان قائد وعزة نفس وإصرار عبد الناصر!! وأذكر قولا للمفكر الفرنسي ابن القرن التاسع عشر جوستاف لوبون قرأته له في إحدى دراساته عن الثورة الفرنسية سنة 1789 وأبطالها وأحلامهم وتأثيراتهم بأن «قيمة الفرد في الجماعة تتحدد بمقدار فعاليته في مساعدة الغير بدءا من إيقاظ سلطات الجماعة وقدراتها إلى تجسيد أحلامها أمامها ودفعها إلى تحقيقها رغم كل ما يصادفها من انتكاسات أو عقبات». لقد كان مضمون هذا القول للمفكر الفرنسي جوستان لوبون والذي قرأته في ترجمة لكتابه الأشهر ـ روح الجماعات ـ أول ما سمعته في حياتي عن جمال عبد الناصر. ففي السابع والعشرين من نوفمبر 1951 اضطرتني مطاردة جيش الاحتلال البريطاني إلى عبور قناة السويس إلى القنطرة شرق بصحبة زميلي مهندس الإذاعة الأفغاني الجنسية محمد موسى المجدوي في زي عامل بمصلحة التليفونات المصرية في عربة نصف نقل يقودها المهندس إبراهيم الرداد مدير تليفونات الإسماعيلية وبورسعيد حتى لا نقع في أيدي الجند الإنجليز الذين كانوا يبحثون على طول غرب قناة السويس عن بعثة الإذاعة المصرية التي تسجل النشاط الفدائي ضد معسكرات الجيش البريطاني. وفي العريش.. وفي ميس ضباط الجيش المصري رحب بنا قائد الجناح وجيه اباظة الذي كان لنا سبق رؤيته وهو يخطط مع طلاب الاخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة لعملية فدائية شاركنا في تسجيلها في أحد معسكرات الإنجليز بالقرب من العباسية بمحافظة الشرقية.. وعندما حان وقت عشاء الضباط دعانا إلى مائدة مستطيلة جلس إليها نحو عشرين ضابطا يرتدون خليطا من الأزياء المدنية والعسكرية وأخذ يقدمنا إليهم ويقدمهم إلينا: يوسف.. صلاح.. جمال.. كمال.. حكيم.. محيي.. وحيد.. الخ. وليبدأ الجميع حوارا حول النشاط الفدائي ضد العسكر البريطانيين في معسكرات قاعدة قناة السويس ورسائلي المسجلة معهم ونوعية ما تسمح الحكومة بإذاعته منها.. وهنا يميل في اتجاه مجلسي منفعلا من قدمه وجيه أباظة على أن اسمه صلاح قائلا في غضب متصاعد: يعني إيه؟.. أنتم تعرضوا نفسكم للموت وخطر اعتقال الإنجليز عشان تسجيل عملية فدائية والحكومة في القاهرة ما تزعلش.. ده كلام فارغ.. ويسود صخب ترتفع فيه أصوات تعجب ورفض، غير أن صوتا رزينا علا الجميع هدأ معه الساخطون وصاحبه السامق البناء الذي قدمه وجيه أباظة على أن اسمه جمال يقول عبارات راح يضغط على حروفها بتأتي من يريد إثباتها في الأذهان: يا صلاح.. يا وحيد.. ياجماعة.. ما هو لازم والحكومة سمحت بالحركة الفدائية إنه يكون عندها رؤية للتوازن الواجب بين النشاط الفدائي وإمكانيات تصعيده وبين تطورات الأزمة مع الإنجليز.. ده أمر ضروري لابد من مراعاته لضبط الايقاع وضمان الاستمرار وبنجاح الوصول للهدف. ووسط التأمل الهادئ الذي بدأ يسود المائدة الطويلة المستطيلة ركز الضابط السامق الطول الذي يحمل اسم جمال نظراته صوبي وهو يقول: أنا عايز أقول لك كلمتين.. ما تشغلش نفسك بالغربال بتاع الحكومة في مصر اللي بيراقب رسايلك ويمنع إذاعة بعضه. ركز وبس على استمرار الروح الثورية في تسجيلاتك. دخل عملية الفلترة والغربلة على اللي بيراقبوها ويختاروا منها.. الفرد مننا مطالب دائما بإدراك قدراته وإجادة استخدامها لصالح الجماعة.. فما تسمحش لقواعد الرقابة وسياسة الحكومة إنها تشل قدرتك وتحد من استخدامك لها.. استفيد استفادة كاملة وحرة من القدرتين اللي أداهم لك ربنا.. فرصة وجودك مع الفدائيين بجهاز إذاعة وقدرتك المؤثرة في إيقاظ قدرات الغير. هذا ما فاه به الضابط السامق الذي كان يرتدي ليلتها ملابس مدنية وقدمه إلينا وجيه أباظة على اسم جمال مجردا من اسم أب أو رتبة جيش يوم السابع والعشرين من نوفمبر سنة 1951 والذي عرفت فقط بعدما يقرب من عام أن رتبته واسمه بالكامل البكباشي جمال عبد الناصر حسين، وذلك عندما ساقني عملي الإذاعي إلى اعداد أول سهرة أربع ساعات عن أحداث يوم 23 يوليو وما تلاها من تداعيات وإنجازات في ديسمبر سنة 1952.. فإنني أذكر اليوم وأنا استعد للنوم في استراحة ضباط الجيش المصري في العريش في تلك الليلة من نوفمبر سنة 1951 عما إذا كان هذا الضابط الذي يحمل اسم جمال قد قرأ ما سبق وقرأت للمفكر الفرنسي جوستاف لوبون عن الثورة الفرنسية وقياداتها وصفاتها البطولية ونزعاتها الشخصية الإنسانية، وكيف أن الفرد أيا كانت قدرته تتحدد حياته وتتشكل في المجتمع تاثرا وتأثيرا بمقدار قدرته وإدراكة لخصائص هذه القدرة ومدى استخدامه لها تأثيرا في الغير وتجسيدا لحركة الحياة في جماعة . ولقد عرفت الجواب عن هذا التساؤل وتأكدت أنه قرأ لكثيرين مثل جوستاف لوبون وتوماس كارليل وجون ستيورات ميل وهيجل ومكيافيللي أيضا وغيرهم، وذلك في لقاء طويل مع عبد الناصر استغرق في منزله بمنشية البكري نحو ثلاث ساعات عقب صلاة الجمعة يوم 30 مارس سنة 1956. وقصة هذا اللقاء أن حكومة الثورة كانت قد وقعت مع حكومة بريطانيا اتفاقية تقضي بجلاء متتابع لجميع قوات الإحتلال عن قاعدة قناة السويس منهية بذلك احتلال بريطانيا الطويل لمصر، وحدث أن واجهتنا في صوت العرب يوم الثلاثاء 6 مارس سنة 1956 مشكلة مرض مفاجئ ألم بعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين مما تعذر معه حضوره إلى الإذاعة وتسجيل حديثه المقرر إذاعته في صوت العرب مساء هذا اليوم، وبسبب قلة الأشرطة في ذلك الوقت كنا نضطر آسفين إلى محو ما سبق من تسجيلات وإعادة استخدام الأشرطة في تسجيلات جديدة، مما تعذر معه يومها بث تسجيل قديم لعميد الأدب العربي، وكان أن اختارت الزميلة المسئولة نادية توفيق تسجيلا على اسطوانة لبرنامج غنائي عن ثروات العرب يشترك فيه المطرب محمد الكحلاوي بالأغنية الوحيدة التي ورد فيها لفظ كلمة البترول والجاز، غير أننا فوجئنا بعد يومين باستفسارات منفعلة من وزارة الخارجية المصرية عن تفاصيل هذا البرنامج الغنائي، أعقبتها تحقيقات رئاسية تولاها علي صبري بوصفة مديراً لمكتب جمال عبد الناصر، وواكبها التحفظ على الاسطوانة المسجل عليها البرنامج بسبب ما أثارته فقراته الكلامية بالذات من غضب حكومي بريطاني انعكس في تصريح ساخط لوزير الخارجية البريطانية لوح فيه مهددا بتجميد عمليات جلاء القوات البريطانية وسائر بنود اتفاقية إخلاء قاعدة قناة السويس بحجة ما عكسته كلمات وردت في البرنامج من روح عدائية لبريطانيا وتهديد وتحريض لقتل جنودها ورعاياها في الخليج وعدن مما يعكس وجود نوايا عدائية مصرية ضد بريطانيا ومصالحها رغم ما تبديه من تفهم للمطالب المصرية ورغبة في فتح صفحات علاقات ود وصداقة. وبينما كان التحقيق الرئاسي مستمرا في مجراه وقررت فيه أن أتحمل المسئولية كاملة تقديرا مني واحتراما لموقفي كمدير لصوت العرب.. فوجئت صباح الخميس 29 مارس بجريدة الأخبار تحمل في صفحاتها الأولى ثلاثة عناوين حمراء وسوداء بعرض الصفحة واعلاها تقول: فضيحة دبلوماسية ـ جمال عبد الناصر يكشف عن مؤامرة خطيرة ضد مصر ـ وثائق مزورة تسلم إلى وزارة الخارجية البريطانية ـ السفير البريطاني يحتج على إذاعات لم تحدث ـ ويلي هذه العناوين الكبيرة الملونة مقال لمحمد حسنين هيكل (وكان مازال في مؤسسة الأخبار) يروي فيه قصة أزمة صوت العرب والبرنامج البديل لحديث الدكتور طه حسين المعتذر لمرض مفاجئ ألم به، وكيف دخل السفير البريطاني وقتئذ سير همفري تريفليان على جمال عبد الناصر يحمل شريطا مسجلا ونصا مكتوبا لما احتواه الشريط مؤكدا أنه تسجيل كامل لما أذاعه صوت العرب طوال ساعات إرساله أيام الأثنين 5 والثلاثاء 6 والأربعاء 7 من مارس، وأن فقرات فيه.. وخاصة البرنامج الذي أذيع ليلة يوم الثلاثاء 6 مارس تحتوي على تحريض مباشر على سفك دماء البريطانيين وتدمير مصالحهم المشروعة في الخليج وعدن بالخراب والدمار، ويرد عليه عبد الناصر بأنه تلقى قبل استقباله للسفير معلومات تؤكد بأن اتهام حكومة بريطانيا لاذاعة صوت العرب غير صحيح ويخالف تماما ما بثته هذه الإذاعة . ويدور بين عبد الناصر رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت والسفير البريطاني همفري تريفليان حوار يعكس صفة الوضوح والإصرار الواجب عند من أصبح همه وشاغله وكل قدره تحرير شعوب العرب.. ـ قال عبد الناصر للسفير: قد يكون في إذاعات صوت العرب شيء غير قليل من الحدة في اللفظ والعنف في التعبير.. ولكن أن يحرض كما تقول أو تدعي تسجيلاتكم على القتل.. فهذا ما يجعلني أنفي صحة ماجئتني به من وثائق بعثوا بها إليك من لندن كما ذكرت. ـ ويرد السفير البريطاني في قلق وحرج: ولكن هذه الوثائق تسجيلات لمذيعي صوت العرب؟! ويجيبه عبد الناصر: لقد علمت بسبب طلبك العاجل مقابلتي كما بلغني كلام وزير الخارجية في لندن وطلبت معلومات عن الأمر وجاءني تأكيد بأن من الممكن عمل تسجيلات مزورة مزيفة. ويغرق السفير البريطاني في ارتباك شديد ويحاول أن يبرئ نفسه وحكومته قائلا: ولكن سيادة الرئيس كيف يمكن أن تكون وثائق لندن مزورة مزيفة؟ ويجيبه عبد الناصر: هذه ليست مشكلتي، وإنما هي مشكلتكم.. ويتساءل السفير: إنهم في لندن سيادة الرئيس ينتظرون ردا . فماذا أقول لهم في لندن؟ ويرد رئيس وزراء مصر جمال عبد الناصر: قل لهم كل ما قلته لك.. وأنني أقطع بأن التسجيلات التي يرونها في لندن وثائق لما أذاعه صوت العرب مزورة ومزيفة وحتى قبل أن أطلب أو أعرف نتيجة التحقيق فيها ذلك لأن السياسة المرسومة لصوت العرب وإذاعاته واضحة.. فإن مهمته أن يدعو إلى الحرية في كل مكان، وإلى حق تقرير المصير لكل شعب. ويدفع عبد الناصر بالشريط الوثيقة.. والأوراق البريطانية لمحتواه إلى السفير البريطاني الذي يعود إلى مبنى السفارة في جاردن سيتي حيث يجتمع بأعوانه ساعات بحثا للإحتجاج الذي تم رفضه لما يشوب وثائقه من تزوير، وليفاجأ في اليوم التالي بتطور مثير وخطير . فقد تلقى من زميله السفير الأمريكي في ذلك الوقت هنري بايرود شريط نسخة أمريكية الطبع جاءته بطائرة خاصة من واشنطن تتضمن تسجيلا ترصد به المخابرات الأمريكية كل ما يبثه صوت العرب من لحظة البدء في الفجر حتى لحظة إنتهاء الإرسال في الليل، وإذ يلتف السفير ورجاله حول آلتي تسجيل تدوران معا في وقت واحد بالنسخة الأمريكية والنسخة البريطانية لما اذاعه صوت العرب في الأيام المذكورة محل الادعاء يتبين للجميع أن هناك اختلافات قليلة بين النسختين مما يثير الشبهات ضد التسجيل البريطاني ويؤيد وجهة النظر التي أكدها جمال عبد الناصر. الرئيس الأسبق لإذاعة صوت العرب