إذا كان صحيحا ما روته «نيويورك تايمز» عن المحادثة التليفونية بين الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وبين الأمير عبد الله ولي عهد السعودية في حضور الرئيس الأمريكي الحالي بوش الابن، وفي محاولة لتهدئة الأجواء بعد رفض المسئول السعودي الكبير زيارة أمريكا احتجاجا على سياستها المنحازة لإسرائيل والمتواطئة ضد الفلسطينيين والعرب.. فإن الأمور بكل تأكيد تسير بالمنطقة إلى المأساة. فالرئيس الأمريكي الأسبق يؤكد للمسئول السعودي الكبير أن (قلب ابنه الرئيس الامريكي الحالي هو في المكان الصحيح فيما يتعلق بالنزاع العربي - الإسرائيلي وانفجار الموقف على أرض فلسطين). أما كيف تتم ترجمة ذلك في الواقع فأمر يؤكد أحد أمرين: أن السياسة الأمريكية لم تعد تعرف الحياء، أو أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع العرب كأمة من الهنود الحمر.. وربما يكون الأصح أن سياسة أمريكا تعني الأمرين معا. فقلب الرئيس الأمريكي في المكان الصحيح كما يؤكد أبوه، وهو يعطي تأييده لسفاح مثل شارون لكي يمارس حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. وقلب الرئيس الأمريكي في المكان الصحيح وهو يصر على أن (العنف) الفلسطيني وليس الاحتلال الإسرائيلي هو أساس المشكلة، وقلب الرئيس الأمريكي في مكانه الصحيح وإسرائيل تضرب الأطفال والنساء وتهدم البيوت وتدنس المساجد وتغتال الأبرياء، فيكون الموقف الأمريكي هو مطالبة العرب بضبط النفس! وقلب الرئيس الأمريكي في مكانه الصحيح وهو يمارس كل الضغوط على العواصم العربية لكي تتوقف عن دعم الانتفاضة الفلسطينية ولكي تبارك جهود إسرائيل لتصفية المقاومة! وقلب الرئيس الأمريكي في مكانه الصحيح وهو يرى نهر الدماء الفلسطينية وكل الخراب والدمار الذي حل بالفلسطينيين فيشيد بالتزام شارون بـ (ضبط النفس)! وقلب الرئيس الأمريكي في مكانه الصحيح والطائرات الأمريكية هي سلاح الإسرائيليين في العدوان، والدعم السياسي الذي توفره واشنطن للسفاحين الإسرائيليين بلا حدود! وقلب الرئيس الأمريكي في مكانه الصحيح وهو يرفض تواجد مراقبين دوليين حتى لا يفضحوا جرائم إسرائيل، ثم وهو يكافئ شارون فيجعله صاحب القرار في تل أبيب وواشنطن معا في كل ما يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي! إذا كان هذا ما يقصده بوش الأب فإنه على صواب. فالابن الذي يحتل البيت الأبيض الآن هو كما وصفه السفير الأمريكي في إسرائيل مارتن أنديك مع نهاية عمله هناك (كنز في البيت الأبيض). ولأن في البيت الأبيض كنزا لإسرائيل- فالسفير الأمريكي الصهيوني حتى النخاع لم يجد أي تضارب بين ولائه الصهيوني وولائه لأمريكا لأن السياسات بين الجانبين كانت - ومازالت - متطابقة! وما يهمنا من كل تلك التصريحات والمواقف الأمريكية أمران: الأمر الأول: أن واشنطن تحاول بيع سياستها المنحازة والمتواطئة مع إسرائيل إلى العرب، بدعوى أنها - رغم تحالفها الدائم مع إسرائيل- فإنها نجحت حتى الآن في منع شارون من ارتكاب (الأسوأ). أي أن على العرب أن يقبلوا ذبح الفلسطينيين ويقدموا الشكر للإدارة الأمريكية لأنها لو تركت شارون يتصرف على هواه ووفقا لعقيدته لتحولت المذابح اليومية الفلسطينية إلى إبادة حقيقية أو إجبار على الهجرة مرة أخرى من فلسطين، ولولا الجهود الأمريكية المتوالية لمد جنرالات إسرائيل عدوانهم إلى خارج الحدود، ونفذوا تهديداتهم إلى دول الجوار العربية، وحولوا العرب جميعا إلى أمة من اللاجئين. الأمر الثاني الذي نفهمه من التصريحات والمواقف الأمريكية هو أن هذا (الأسوأ) قادم في أغلب الظن، ولسبب واحد هو هذه السياسة الأمريكية المتواطئة مع الإسرائيليين والمنحازة ضد العرب. نعم هناك أسباب كثيرة أخرى هناك هذا الهوس اليميني الذي يعصف بالكيان الصهيوني، والذي يرفض أي تسوية عادلة تعيد للشعب الفلسطيني بعض حقوقه وبعض أرضه ليقيم دولته المستقلة في كامل الضفة وغزة والذي جاء بالسفاح شارون إلى الحكم لكي ينهي الانتفاضة ويقمع الشعب الفلسطيني، والذي بلغت به الغطرسة حد التهديد بشن الحرب ضد سوريا ولبنان، والتهديد بقصف طهران والقاهرة وتدمير السد العالي.. وهي تهديدات لم تصدر عن معتوهين تحت العلاج النفسي بل عن وزراء مسئولين في حكومة شارون التي تمنحها أمريكا كل يوم نيشان (ضبط النفس)! وهناك أيضا هذا السقوط الذريع لمعسكر اليسار الإسرائيلي الذي كان يقدم نفسه بأنه الساعي إلى تسوية تاريخية مع الشعب الفلسطيني، فإذا بتطورات الأحداث تكشف عن زيف هذا اليسار وتفضح إدعاءاته، وتثبت أنه - في ظل الصهيونية - ليس هناك يمين ويسار في العداء للعرب كلهم سواء.. وإن اختلفت الأدوار وتغيرت الوجوه. وهكذا أصبح حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه شيمون بيريز شريكا في حكومة يقودها مجرم الحرب شارون، واصبحت مهمته الأساسية أن يستغل سمعته الكاذبة كسياسي معتدل في تحسين صورة الحكومة النازية التي يشارك فيها ، وفي خداع الرأي العام العالمي، وفي تبرير الجرائم الحقيرة التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، وفي حق العرب جميعا بل وفي حق العالم كله الذي يرى كل المبادئ والمواثيق الدولية تداس بالأقدام على أرض الرسالات في فلسطين. وهناك - على الناحية الأخرى - أخطاء القيادات الفلسطينية وعجز النظام العربي.. الأمر الذي أدى إلى شرذمة المواقف ما بين التنازلات المجانية والهرولة المتسرعة وبين الخطابات المتشنجة والانقلاب في المواقف دون الالتزام برؤية موحدة تحفظ الحقوق وتحدد الممنوع والمسموح في أي مفاوضات علنية أو سرية. وحتى عندما فاجأت الجماهير الفلسطينية الجميع بانتفاضتها المباركة لم يتم التعامل معها بالمسئولية الواجبة.. ومازال البعض منا حتى الآن - وبعد كل ما حدث - يتلكأ في تقديم العون المطلوب ماديا وسياسيا، ومازال البعض منا يلف ويدور حول قرارات القمة رغم أنها أقل من المطلوب، ومازال البعض منا يراهن على أن هناك معتدلين في إسرائيل يمكن التفاهم معهم، ومازال البعض منا يراهن على أن أمريكا في النهاية ستنقذ الجميع..إسرائيل والنظام العربي والمصالح الأمريكية، حتى ولو دفعت فلسطين وشعبها المقهور الثمن الفادح وحدها! وللأسف، فإن ذلك لن يحدث، والمنطقة تسير نحو (الأسوأ) بسبب كل هذه العوامل.. ولكن قبلها وبعدها بسبب الموقف الأمريكي نفسه الذي يتصرف باعتبار أن الحل الإسرائيلي الذي طرحه كلينتون في كامب ديفيد كان منحة أثبت الفلسطينيون والعرب أنهم لا يستحقونها.. وبالتالي فعليهم أن يتحملوا مسئولية ذلك وأن يدفعوا ثمنه حتى يثوبوا إلى رشدهم. هذا التصور الأمريكي الذي يجمع بين الجهل والصفاقة والغطرسة يتصور أن عرفات - رغم كل ما قدم من تنازلات - كان قادرا على توقيع اتفاق يتخلى فيه عن القدس ويترك المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف تحت سيادة إسرائيل، ويتنازل فيه عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لوطنهم والتعويض عما لحق بهم من أذى على يد العصابات الصهيونية. كان ذلك مستحيلا على عرفات أو غير عرفات، ولعلها كانت لحظة الحقيقة التي أدرك فيها عرفات أين أخذته خطيئة (أوسلو) فقرر وقف المأساة. وهو مالا تريد واشنطن أن تغفره له خاصة بعد إندلاع الانتفاضة وما أعقبها من تطورات. ولو كانت الإدارة الأمريكية الجديدة في عهد الرئيس بوش الابن (الذي قلبه في المكان الصحيح!) قد امتلكت إرادة حقيقية للوصول إلى تسوية عادلة لكانت قد أمسكت بالخيط من حيث انتهى، وتفهمت موقف عرفات، وأدركت استحالة الوصول إلى تسوية حقيقية إلا على المبادئ التي تبنتها أمريكا نفسها في مؤتمر مدريد.. أي الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود 4 يونيو مقابل ضمان أمنها. ولو كانت الإدارة الأمريكية الجديدة قد مارست الضغط المطلوب على إسرائيل لتجنبت هذا الموقف الذي تقود المنطقة إليه. ولكنها بدلا من ذلك أعلنت أنها نفضت يدها من المشكلة وتركت للفرقاء وحدهم أن يصلوا إلى الحل المنشود! وكان ذلك يعني أن واشنطن تراهن على ما وعد به شارون وهو القضاء على الانتفاضة في مئة يوم، وهو الوعد الذي لم يتحقق رغم وحشية إسرائيل في التعامل مع الشعب الفلسطيني الأعزل الذي مازال يقاوم ببسالة ويضرب في عمق إسرائيل ويكبدها أفدح الخسائر. ومرة أخرى جاءت الفرصة لواشنطن للتحرك، ولكنها تحركت لا لتحل الأزمة بل لتساعد شارون الذي منحته ثقتها ودعمها. فوقفت أمام كل محاولات إرسال مراقبين دوليين أو قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان الإسرائيلي، ولم تخجل من تحميل الضحية مسئولية المذابح التي تجرى لها، والضغط على عرفات لوقف الانتفاضة، والضغط على العرب لإقناع عرفات بالمطالب الإسرائيلية الأمريكية، والضغط على أوروبا لتمنح دعمها لشارون ضد (الارهاب)!! الفلسطيني. والموقف الآن يسير برعاية الرئيس الأمريكي (الذي قلبه في مكانه الصحيح ) نحو الهاوية. فالقرار الأمريكي في شئون المنطقة يحكمه اللوبي الصهيوني، واللوبي الصهيوني الأمريكي يحكمه اليمين الإسرائيلي بكل هوسه وجنونه ونازيته، واليمين الإسرائيلي يقوده شارون في طريق لا يحتمل إلا التصعيد ثم المزيد من التصعيد ودفع الأحداث إلى حرب شاملة يراها جنرالات اليمين الإسرائيلي حلا وحيدا للخروج من الأزمة وفرض الحل الإسرائيلي على الفلسطينيين وعلى العرب جميعا. وليست القضية الآن أن نبذل جهودا فردية هنا أو هناك، وليست القضية الآن أن نتكلم ونشجب، وليست القضية أن نحاول استرضاء واشنطن أو نحاول تهدئة الجنون الإسرائيلي. وإنما القضية أن يدرك العرب جميعا خطورة الموقف وأن يتصرفوا على أساس أن الحرب قادمة، وأن يتحركوا قبل وقوع الكارثة، وأن يستعدوا لأيام صعبة لن ينفعهم فيها إلا أن تنصاع الأنظمة لإرادة الشعوب وتحسن استخدام الأوراق التي مازالت في يدنا. وما أكثر ما نملك من الأوراق إذا امتلكنا الإرادة القادرة على أن تقول (لا) ليس فقط في وجه النازيين الجدد بقيادة مجرم الحرب شارون، ولكن أيضا للسيد الرئيس الذي قلبه في المكان الصحيح كما يقول أبوه.. وهو يدري أو لا يدري أن قلب الرئيس في أحضان اللوبي الصهيوني! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية