«قبلتني هذا الصباح. لقد منحتني حياة جديدة. انها سيدة رائعة» لم ترد هذه العبارة على لسان «ليوناردو دي كابريو» بطل فيلم «تيتانيك» ولا «بن افليك» بطل فيلم «بيرل هاربر»، ولكنها وردت على لسان زعيم ومناضل افريقي امضى سبعة وعشرين عاماً من عمره في السجون ليخرج منها ملكاً متوجاً على قلوب الملايين من عشاق الحرية الذين حولوه الى اسطورة من اساطير النضال ومقاومة المحتل والانتصار للحرية وارادة الشعب. في عيد ميلاده الثالث والثمانين، وهو خارج السلطة، لم يرغم الزعيم الافريقي «نيلسون مانديلا» احداً على تنظيم الاحتفالات وتسيير المظاهرات واقامة المهرجانات للهتاف باسمه وصنع قوالب الحلوى، وهو لم يفعل ذلك عندما كان في السلطة، بل امسك بيد زوجته جراسا ماشيل ارملة رئيس موزمبيق الراحل سامورا ماشيل التي تزوجها في عيد ميلاده الثمانين، وعلى انغام الموسيقى الهادئة راقصها محتفلاً معها في المناسبة ذاتها بعيد زواجهما الثالث. وفي اجواء معبرة عن الحب والتقدير اللذين يكنهما الشعب لهذا الزعيم التاريخي قطعت محطات الاذاعة والتلفزيون برامجها المعتادة لتبث رسائل حية من جميع انحاء جنوب افريقيا موجهة الى «ماديبا» وهو الاسم القبلي الذي يناديه به الجميع. اما اطفال المدارس فقد انشدوا جميعاً اغنية عيد الميلاد لـ «مانديلا» الذي قال انه سيمضي يومه في هدوء بمنزله في جوهانسبرج مع زوجته جراسا. وكانت تلك القبلة هي الهدية التي قدمتها له في عيد ميلاده بعد ان غيرت حياته وعلاقته مع نفسه وعائلته كما يقول. في الثالثة الثمانين قال «مانديلا» لصحفي شاب ضمن مجموعة من الصحفيين التقت به في هذه المناسبة: «انني اشعر بالشباب مثلك تماما». اما عن افضل طريقة للاحتفال بعيد ميلاده فقد قال: «اود ليوم واحد ان انسى العالم ومشكلاته» ولكنه بالتأكيد لن يستطيع، فقدر الزعماء ان ينغمسوا حتى النخاع في العالم ومشكلاته، ولذلك فقد احتفل «مانديلا» بعيد ميلاده يوم الاربعاء الماضي وهو يعد نفسه لحضور القمة حول بوروندي يوم غد الاثنين. هل نحن امام طراز فريد من الزعماء؟ ما من شك في ذلك، ولن يختلف اثنان على هذه الحقيقة. كيف استطاع هذا الرجل ان يدخل قلوب الملايين في شتى ارجاء المعمورة على اختلاف ألوانهم واديانهم واجناسهم واعراقهم بعد ان قاد معركته ضد التمييز العنصري في بلده «جنوب افريقيا»؟ وكيف تمكن من هزيمة كل هذا القهر والظلم الذي عانى منه بنو جلدته في بلـد يمثلون فيه الاغلبية ويمثـل البيـض فيه الاقلية؟ لقد كانت ملحمة قادها هذا الزعيم الفذ من داخل سجنه الذي امضى فيه سبعة وعشرين عاماً اكثر مما قادها هو خارجه، ولن ينسى العالم يوم ان وقف امام المحكمة التي ادانته بمحاولة الاطاحة بالحكومة العنصرية قائلاً: «اعتز بهدف اقامة مجتمع حر وديمقراطي يعيش فيه كل الناس في وفاق ويتمتعون بفرص متساوية. انه هدف اتمنى ان اعيش من اجله واحققه، ولكن اذا اقتضت الضرورة فإنني على استعداد للموت من اجله». ماذا يمكن ان تفعل سبعة وعشرون عاماً من السجن برجل نذر نفسه وحياته للدفاع عن قضية شعبه؟ لقد زادته سنوات السجن صلابة وحولته الى اسطورة ينظر اليها الجميع باعجاب ومودة وتقدير وفخر.. فخر الانسان بأن هناك من يشترك معه في الجنس ويحمل مثل هذه الروح القادرة على مواجهة كل هذه الانواء وصد كل هذه الرياح والصمود ليخرج من معركته مرفوع الرأس قوي الشكيمة، وليقابل سجانيه الذين واجههم بالمقاومة المسلحة قبل ثلاثين عاماً بالدعوة الى التسامح وطي صفحة الماضي بعد ان خففت الاقلية البيضاء الحاكمة من قبضتها على السلطة واطلقت سراحه. وخلال سنوات اربع فقط استطاع «مانديلا» ان يقود حزب المؤتمر الوطني لانتصار ساحق في اول انتخابات لجميع الاعراق في جنوب افريقيا لينصب في شهر مايو من عام 1994 رئيساً للبلاد. وهكذا استطاع «مانديلا» ان يعكس الصورة، فقد جرت العادة ـ وفي افريقيا بالذات ـ ان يقود الكرسي الى السجن.. اما ان يقود السجن الى الكرسي فذلك ما لا يمكن ان يحدث الا مع زعيم مختلف مثل «مانديلا». ولأنه مختلف فعلاً فقد فاجأ العالم بعد خمس سنوات من الحكم برغبته في التخلي عن الرئاسة وعزمه على الاستقالة، وبدأ في تكليف نائبه ووريثه السياسي ثابومبيكي بمهام اكثر ليسلمه مقاليد الحكم في السادس عشر من يونيو عام 1999 قائلاً: «اريد ان استريح وان اتمتع بحياة هادئة بعيداً عن الاضواء» مضيفاً انه يعتزم قضاء ثمانينيات عمره وسط الوديان والهضاب الصغيرة في «كونو» القرية التي ولد فيها. فهل استطاع ان يحقق تلك الامنية التي ارسلها غداة تخليه عن الحكم؟ لايبدو انه قد تمكن من ان يفعل ذلك بدليل التجوال الدائم بين بلاد الدنيا مدعواً في كل المؤتمرات وضيفاً في كل المناسبات.. حاملاً هموم الشعوب ومشكلاتها في قلبه، ووسيطا في كل القضايا. هذه النجاحات الكبرى التي حققها «مانديلا» في كل معترك خاضه قابلها اخفاق في حياته الخاصة لم يستطع ان يتخلص منه الا منذ سنوات خمس عندما كشف عن حبه الجديد جراسا ماشيل ارملة الرئيس الموزمبيقي الذي قتل في حادث سقوط طائرة. كانت شكوى زوجته الاولى «ايفيلين» انه يكرّس وقتاً طويلاً للسياسة فانفصلا عام .1953. ثم خفق قلبه بحب «ويني ماديكيزيلا» عام 1956 ليداوي بها جرح تجربته الاولى ويتزوجها بعد قصة حب حرص على ان لا يقطع فصولها حتى بعد دخوله السجن من خلال رسائل حب سطر فيها مشاعر عاشق يحمل من الرقة تجاه محبوبته مثلما يحمل من الصلابة في مواجهة اعداء وطنه. لكن المرأة التي احبها الزعيم واودعها قلبه واسكن صورتها مقلتيه لتخترق اسوار السجن كانت اضعف من ان تحمي ظهر الثائر وهو في سجنه.. وكانت اضعف من ان تصمد امام نداء الجسد، فكانت الخيانة التي عللتها بأنها لم تعش معه سوى سنوات ثلاث وانها قد افتقدته ثلاثين سنة! ثم كان الانفصال على خلفية الانكسار الذي عانى منه الزعيم وهو الخارج منتصراً من معركة سجنه مهزوماً في بيته. وهكذا ظهرت «جراسا» في الوقت المناسب لتداوي جراح تجربة «ماديبا» الثانية، ويبدو ان نفس الزعيم ـ وقد اقترب من محطته الاخيرة ـ وجدت ضالتها في «جراسا».. ولذلك فهو يقول عنها: «لقد غيرت زوجتي حياتي وعلاقتي مع نفسي ومع عائلتي. اننا نقوم في الوقت الحاضر بأمور تجمعنا، امور لم افكر بها يوماً قبل ان تدخل حياتي.. لقد قربت جميع افراد العائلة.. لقد احدثت لحمة متينة حقيقية». من حق «مانديلا» ان يستريح وان يتمتع بحياة هادئة كما يريد وكما نتمنى له.. ولكن ليس من حقه ان يكون بعيداً عن الاضواء التي عشقته.. وحتى لو حاول ذلك فستظل الاضواء تطارده .. فهذا قدر الزعماء.. و«ماديبا» ليس هو الاستثناء.