احترام الوقت، الالتزام بالنظام، وحب الارض، ثلاثة اضلاع متساوية، تشكل مثلث الابداع الانساني، وتحدد البعد الزماني والرسوخ المكاني لابناء البشر. وهذا المثلث يكشف المعدن الاصيل للانسان اياً كان موقعه وموضعه، لذا ليس غريباً ان نرى تفوق الناس في اوروبا ودول امريكا في حياتهم، بل وحتى في بعض الدول الآسيوية، فاحترام الوقت يقلل المساحات ويذيب الفوارق، ويطوي المسافات، ويؤكد سرعة الانجاز. والالتزام بالنظام يشير الى احترام كل قيمة انسانية تحقق التوازن الداخلي لكل فرد وتعيد الثبات لكل مجتمع. اما حب الارض فهو يعني التمسك بالوطن والسعي للنهوض به والارتقاء بمكانته بين رصفائه. وهنا يقفز السؤال ما مدى علاقتنا بهذا المثلث؟ واقع الحال يرد على السؤال! فاحترام الوقت لدينا نحن العرب لم تعد له قيمة، والالتزام به معدوم، وادراك قيمته غير موجود، ومحاولة استثماره فيما يفيد ليست ضرورية. واهدار الوقت اصبح قاسماً مشتركاً لنا جميعاً، فكم هي الساعات الضائعة في شتى المواقع اياً كانت في اروقة العمل او في ردهات المنازل، او في باحات المراكز التجارية، او حتى بالحدائق والنوادي الليلية! والالتزام بالنظام تحول الى فوضى عارمة تضرب بأطنابها كل مكان، وتتجذر في دواخل كل انسان. وعدم الالتزام اصبح آفة تهدد مجتمعاتنا واخطرها عدم الالتزام الاخلاقي سلوكاً ومبدأ. اما حب الارض لو كان مغروساً في كل قلب سنراه واضحاً وجلياً في كل درب، فحب الوطن يقودنا الى احترام الوقت والالتزام بالنظام.. حيث يقودان بدورهما للاحساس بقيمة الوطن والسعي لرفعته بل والنضال الجاد لاعلاء مكانته. ما قادني لكل تلك المقدمة الطويلة خبر صغير وعابر قرأته، لكنه استوقفني لأهميته فالخبر من ماليزيا ويقول: الثرثرة في العمل تقود الى الفصل من الخدمة! وقد ادركت بعدها، لماذا تفوقت ماليزيا على نفسها واصبحت من النمور الاسيوية القوية في مجال المال والاعمال، فهي ببساطة تؤمن بأهمية العمل وعدم اضاعة الوقت في الثرثرة و«حش» الاخرين عبر الوخز بالكلمات، وذبح البعض بالنميمة والكيد لهم. بالاضافة للهروب من مواقع العمل والتسكع في الشوارع او حتى البقاء في اماكن العمل وتمضية الوقت في قراءة الصحف، واجراء المكالمات الهاتفية، والحديث في «الموبايل» وحبس معاملات المراجعين في الادراج، واستخدام كلمة «تعال بكرة». ورغم محاولات بعض المؤسسات والشركات بضبط ايقاع العمل، والزام الموظفين بأوقات الدوام الرسمية بالتوقيع تارة واستخدام البصمة تارة اخرى، إلا ان اساليب التحايل مستمرة والهروب مستمر واهدار الوقت لايزال مستمراً. فالبعض لايزال يمنح ضميره اجازة مفتوحة، فلا وازع دينياً او اخلاقياً يحصنه او يعيده الى جادة الصواب، ونحن دائماً نتساءل لماذا يتقدم الاخرون، ونحن نتأخر؟ لماذا الكثيرون غيرنا ترتفع هاماتهم وتطول قاماتهم، ونتقزم نحن؟ ولماذا نعيب غيرنا والعيب فينا! ثم لماذا يتمسك الكل بمثلث الابداع الانساني «الوقت، الالتزام، الوطن» ونحن نتراجع حتى نلامس القاع! ان امة لا تحترم وقتها ولا تلتزم بقيمها، ولا تحب تراب ارضها، ليس غريباً عليها، ان تعيش الوهم، ولا تحصد سوى العدم! ترى لو طبقت دوائرنا ومؤسساتنا قراراً يقضي بالفصل عن العمل لأولئك الذين يثرثرون كثيراً ولا ينتجون الا قليلاً، كم سيبقى منا على رأس عمله؟ آخر نقطة ثلاثة يزرعون المحبة في القلوب.. صاحب الخلق الحسن والمخلص لعمله، والمتواضع.