امس.. كان الصباح مختلفاً عن كل الصباحات التي عرفناها وعرفتها الانسانية جمعاء. ورغم انها ليست المرة الاولى خلال الاسابيع الماضية التي نصدم فيها بصورة طفلة او طفل من ضحايا المجرم الاكثر دموية الذي لم ولن يعرف له التاريخ مثيلاً، ولن يكون له قرين في مشارق الارض ومغاربها الارهابي شارون وربعه الذين طغوا وبالغوا في الوحشية فأصبحوا كالكلاب المسعورة والذئاب الجائعة التي قد تكون اقل وحشية منهم والرحمة قد تجد لها حيزاً ولو بسيطاً في قلوبهم. الا ان ما شاهدناه بالامس كان كثيراً والدموع التي سالت من المآقي كانت غزيرة والغضب والهلع والفزع الذي اجتاح الجميع صغاراً وكباراً فاق التصور وتمردت المشاعر على اصحابها فخرجت من بين الضلوع تشكو الحال وتكيل اللعنات وتطالب بالرد السريع والتدخل الصريح، فلم يعد في الامكان الانتظار اكثر والصبر نفد والحكمة ذهبت وولت والجنون حل، ويبدو انه ليس لنا غيره ليعيد الينا التوازن ويزيل عنا ما نحن فيه، فإن كان كذلك فأهلا به وسهلاً. اننا امام عدو كريه بغيض لا يفرق بين كبير وصغير، قوي او ضعيف، وحشيتهم فاقت كل ما عرفته البشرية وظلمهم وطغيانهم زادا على ما فعله الطغاة على مر العصور والازمان.. اناس اصبح لهم سبق اكتشاف كل ما هو مناف لطبيعة البشر التي جبل عليها من الخير والانسانية، واختراع وسائل ابادة شعب آمن. لقد تجاوز الظالمون المدى، وحمامات الدم التي يقيمونها على اراضينا اتسعت وزادت عمقاً، وأعداد الشهداء في ارتفاع مستمر ونحيب الامهات الثكلى بفقدان الاحباب وفلذات الاكباد يمزق القلوب. يحز في النفس كثيراً ويدمي القلب اكثر قافلة الشهداء الصغار الابرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، فلا هم يستطيعون الهرب من رصاصات الغدر، ولا هم يقوون على رد الخطر عن انفسهم او حتى محاولة الرد او تجنب طغيان النازيين الجدد. شاهدنا «ضياء» عبر الصحف وجسده الغض ينير شاشات التلفزة فظهر كملاك صغير حالم، مغمض العينين تهفو روحه الى بارئها وتضيء ملامح وجهه البريئة سجل شهداء الغدر والخيانة. رحل مما هو ضيق وفان الى ما هو اوسع وارحب ليزيد بذلك الخاسئين خساسة ويكسوهم عاراً وخزياً. غاب «ضياء» عن احضان امه وهجر حجرها ـ رغماً عنه ـ ليزيد غيابه صدرها المليء بالآلام والايلام ثقل حليب ضياء الذي لن يرضع منه ثانية، حجرها يحن بشدة الى جسمه الصغير، ويداها الحانيتان تتوقان الى رأسه الجميل الذي سرعان ما كان يتدلى ناعساً كلما مررت اصابعها بكل رقة بين خصلات شعره الناعم. الجيران لن يسمعوا هدهدتها لصغيرها وضحكاتها التي كانت تتعالى مع كل حركة تحدثها شفتاه او تبدر من عينيه تراه كل ام دعابة رائعة من وليدها لها وتحسبه حواراً غير مسموع بينهما ولا يفهمه سواهما كلما همت بارضاعه او مداعبته .. حوار يتبادل خلاله الاثنان حباً في اليوم، وحلماً واملاً في الغد. وان كانت النفوس من مرارتها قد عافت هدهدة الصغار لاحساسها بعدم جدوى كل ذلك، فالحلم الجميل اصبح يغتال في المهد، والطفولة ببراءتها وما تحمله لنا من شعاع وامل نحو المستقبل لا يريد له اليهود والقتلة ان يتم. ترى هل هو مخطط لقتل الانسان في المهد قبل ان ينمو ويكبر ويقوى على الحجر سلاحه الوحيد في وجه العدو، المستوطن المتوحش الذي مد في الطغيان ولم يجد من يصده ويلجمه سوى حجارة الصغار فعاث في فلسطين خراباً ودماراً وقتلاً؟ Email: fadheela@albayan.co.ae