ألقت (انتفاضة الاستقلال) الفلسطينية حزمة من الأضواء الكاشفة على الفرز في الوطن العربي، وهو فرز متعدد إذ ثمة فرز بين الأنظمة العربية وبعضها بعضا، وفرز آخر بين بعض هذه الأنظمة وشعوبها، وفرز ثالث داخل كل نظام على حدة، وفرز رابع بين بعض الشعوب العربية وقواها السياسية، الى فرز خامس بين بعض القوى السياسية العربية وبين الأنظمة الحاكمة في أقطارها، وفرز أخير بين القوى السياسية وبعضها البعض. غني عن القول أن الفرز المقصود يقتصر على المجال السياسي عموما، وإزاء القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. ولاشك في أن لمواقف الأنظمة والشعوب والقوى السياسية العربية محددات في ميدان الصراع العربي - الصهيوني، وفي القلب منه القضية الفلسطينية، ولعل في مقدمة هذه المحددات عنصر القومية العربية، ومدى الايمان بها، ذلك أن الأنظمة المأثورة للفكرة القطرية الضيقة تعاملت مع الانتفاضة وكأن الأمر لا يعنيها في قليل أو كثير. والحكم نفسه ينطبق على بعض القوى السياسية العربية. أما الشعوب العربية فقد نأت بنفسها عن الحس القطري الضيق، وظلت على ايمانها القوي بالقومية العربية، الأمر الذي انسحب على موقف هذه الشعوب من الانتفاضة الراهنة، امتدادا لموقف الشعوب نفسها من القضية الفلسطينية. هنا الحس القومي العربي احتل موقع المحدد الرئيسي لموقف شعوبنا العربية إزاء الانتفاضة. بيد أن بعض الأنظمة العربية تعي، تماما، بأن فلسطين ليست إلا رأس جسر للهجمة الاستعمارية الصهيونية، التي تتطلع الى اقامة (وطنها) من النيل الى الفرات، بل مدت أطماعها، منذ نحو عقد، الى الوطن العربي بأسره من الخليج الى المحيط، الأمر الذي تجلى في (الشرق الأوسط الجديد) الذي اقترحه الرمز الصهيوني شيمون بيريز. لذا فإن تلك الأنظمة الملمة بأبعاد الخطر الصهيوني تخشى من أن تردد، بعد حين: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)! ويمتد هذا الوعي الى معظم القوى السياسية العربية، وبدرجة أقل الى جماهير الشعوب العربية. واذا كانت بعض القوى السياسية العربية تضع العائق الأمريكي في اعتبارها، فإن جماهير الشعب العربي تتخذ من هذا العائق حافزا آخر للتحرك الى جانب الانتفاضة، بسبب ما تكنه هذه الجماهير من سخط وحقد على الدور الأمريكي. وفي مقابل تطلع الشعوب العربية الى اقتلاع اسرائيل، وتحرير فلسطين، والتخلص من الخطر الصهيوني، ثمة أنظمة عربية تخشى من رد الفعل الاسرائيلي على مظاهر التأييد في أقطار تلك الأنظمة للانتفاضة. ويحتل مدى اتساع الهامش الديمقراطي في هذا القطر العربي أو ذاك موقعا شديد التأثير في إفساح المجال للتأييد الشعبي للانتفاضة من أن يعبر عن نفسه. لذا مارست بعض الأنظمة العربية معارضة ملحوظة لمظاهر تأييد الانتفاضة، والعكس صحيح، أي أن الدول ذات الهامش الديمقراطي الملحوظ تركت مظاهر التأييد هذه تعبر عن نفسها، بحرية. إذا كانت جماهير الأمة العربية قد انطلقت، بتلقائية شديدة، تعبر عن دعمها للانتفاضة، منذ لحظة اندلاعها، فإن هذا التعبير سرعان ما خبا في بعض الأقطار العربية، وإن استمر في أقطار أخرى، وتطور وتأسس في أقطار ثالثة، في تناسب طردي مع قوة الأحزاب السياسية في القطر المعنى، حيث لعبت الأحزاب الفاعلة الدور الأساسي في تطوير أشكال الدعم للانتفاضة، بل ضمنت تلك الأحزاب الاستمرار لأشكال التعبير عن الدعم، المعنوي والمادي للانتفاضة. على أن هذا التقاعس لا يعفي رئاسة سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية من المسئولية، إذ لم تتقدم الى قمة القاهرة الطارئة بمطالب سياسية، وعسكرية، ومالية محددة، فلم تضع - بالتالي - النظام العربي أمام مسئولياته. وبعد، فربما ترتب على (انتفاضة الاستقلال) تحولات دراماتيكية رسمية عربية، تفوق تلك التي أعقبت هزيمة 1948 العربية المدوية. فالشعوب لا تسامح في التقصير إزاء أشقائها! ـ كاتب فلسطيني