يفترض أن الجهود العربية القائمة على قدم وساق، رسميا وشعبيا، من أجل محاكمة آرييل شارون كمجرم حرب، هي من الأمور الجادة التي لا مجال فيها للهزل. ومن المسلم به أن إعداد الملف الكامل لقضية من هذا القبيل، بحيث لا يدع صغيرة ولا كبيرة من الاحتمالات الخاصة بها إلا أحصاها، يحتاج لتضافر عقول وخبرات أهل الذكر من رجال التاريخ والقانون والسياسة والاعلام، وعادة ما يكون هؤلاء من السادة الأجلاء الوقورين، وربما المتجهمين أيضا. ومع ذلك، فقد اصر بعض المعلقين العرب على إفساد صدقية هذا الاعتراض، حيث ألقوا بتعليلات لهذه الجهود لا تخلو من الطرافة المريرة.. والخبث أيضا. فمنهم من أيقظ ذاكرتنا من سباتها، متسائلا بأن شارون هذا كان على مدار نصف القرن الماضي في قلب الحدث الإجرامي الاسرائيلي، قائدا عسكريا ووزيرا لأكثر من مرة، قبل أن يرأس الوزارة، فأين كان دعاة تجريمه ولم تأخروا في رفع الدعوى عليه؟ ثم إن أهم جرائمه - صبرا وشاتيلا - مضى عليها قرابة عقدين، ورغم أن جريمة الحرب لا تتقادم، فقد كان من الأجدى والأجدر أن يطالب العرب بإقامة الحدود الدولية عليه والحدث طازج. وبعد هذه المقدمة، يمضي هذا الفريق الى أن إثارة القضية الآن ما هو إلا تعبير عن هروب عربي الى الأمام. لقد عجز العرب عن مواجهة شارون في الميدان، فلجأوا الى (جرجرته) للمحاكم. وهذه حبالها طويلة، ونتائجها غير مضمونة. ومنهم من رأى أن تركيز عنصر الجريمة الدولية على شارون بالذات، من دون عشرات (الشارونات) في الكيان الصهيوني الولود للمجرمين، عمل ينطوي على ظلامة لأنداده الوالغين في الدم العربي والفلسطيني.. ولأن أصحاب الشأن العربي يعلمون ذلك جيدا، فلابد أن استثناء هذا المجرم العتل بالإدانة المركزة، يستهدف شيئا آخر، وهذا الشيء - كما يخمنون - هو أنه اذا ما نجحت الحملة ضد الرجل بمحاكمته فعلا، أو حتى بتضييق الخناق عليه تسهيلا لإزاحته من قمة السلطة مذموما بالجريمة الدولية، فسوف يجوز القول ان شارون (أخذ الشر وراح).. وهذا يفسح المجال لاستئناف العملية السلمية بكل أحابيلها مجددا. هذا مع أن للرجل أترابه ومريديه وتلاميذه، ومن المؤكد أن خليفته سيكون واحدا منهم! كأن أصحاب هذا الراي يقولون بأن الضغط للإطاحة بشارون، نتيجة لمحاكمته أو التشهير به، إنما يستهدف تسويغ استمرار التسوية السلمية كخيار استراتيجي وحيد. وفي ذلك مظهر لضعف عربي وليس القوة، باعتبار أنه يتعين وجود بدائل من هذا الخيار في وجود شارون أو عند غيابه. ويتسائل آخرون عما اذا كان من الممكن حقا الايقاع بشارون أو بغيره من مجرمي اسرائيل، في ضوء افلات دولتهم ذاتها من العقاب رغم عشرات القرارات الدولية التي تجرمها، ورغم أنها الدولة الوحيدة في هذا العالم التي تحتل شعبا آخر معترف له بحق تقرير المصير؟.. وإذا كانت الولايات المتحدة قد شكلت بسياستها المنحازة منطقة آمنة لاسرائيل الدولة، فكيف لا تمتد بحمايتها للارهابيين من قادتها؟ لا نستطيع أن نجاري هذه التقديرات في عموم نظريتها التشاؤمية والتهكمية. فالسعي لمحاكمة شارون جائز وممكن وضروري. إنه اتجاه يتجاوب وروح العصر، بل ويختبر هذه الروح ذاتها. ولا نتصور أن تكثيف الحركة القانونية ضد هذا المجرم تعني إهمال بقية الزمرة الإرهابية من الذين معه، بل الأمر لا يعدو عرض نموذج سوف تستتبعه نماذج أخرى، وليس قليلا بالمرة أن يقبل القضاء البلجيكي الدعوة ضد شارون وهو على رأس كيان حميم الى قلب عالم الغرب الذي ينتمي اليه هذا القضاء، وأن تشجع هذه الخطوة جهات حقوقية أخرى على تأمل احتمال تحريك دعاوى أخرى مناظرة. ثم إن إحياء ملفات الاجرام الاسرائيلي ولو بعد حين، أفضل من طيها الى الأبد. بل وقد يحمل هذا البعث الحقوقي رسالة بأن المجرمين الاسرائيليين لن يظلوا فوق المسائلة وإن طال الزمن. إن متابعة شارون وملاحقته قضائيا، لا يجب أن تلهينا عن منازلته والتحسب له ومنه ميدانيا. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة