يوم الاحد 15 يوليو الجاري كان يوما مشمسا على المملكة الهولندية التي امتزجت فيها فصول السنة كلها في الاسابيع الاولى من هذا الصيف. فقد نعيش الخريف الممطر والشتاء البارد والربيع الدافيء.. والصيف الحار في نفس الاسبوع. حتى ان الهولنديين المصطافين على شاطيء بحر الشمال في مدينة «شخيفنجن» اصبحوا يغتنمون لحظات ظهور الشمس المترددة من خلف الغيوم ليهرعوا الى البحر غافلين عن برودة أمواجه من اجل اقتناص ساعة اجازة. وكنت خلال هذا اليوم الاحد 15 يوليو بصحبة صديقي الفلسطيني الهولندي محمد أبو الليل عضو المجلس البلدي لمدينة «روتردام» وصديقي التونسي الهولندي د. خالد شوكات المتخصص في القانون الدولي. وهما بالطبع عربيان مسلمان وثيقا الصلة بوطنهم العربي الكبير وهمومه وقضاياه، وهما يحملان الجنسية الهولندية الى جانب جنسيتيهما الاصليتين ويناضلان اصدق النضال من خلال الجمعيات العربية والاسلامية التي أسساها في ديار الاتحاد الاوروبي من اجل التعريف الاعلامي والثقافي بالوجه المشرق للعروبة والاسلام وبعدالة قضايا الحق والعدل في فلسطين وقضايا العالم العربي عموما، ويجاهدان مع نخبة من العرب الآخرين لإقامة المدارس العربية وبناء المساجد وتشييد المكتبات ورعاية مواقع الانترنت العربية والاسلامية. فجازاهما وجازى رفاقهما العرب خير الجزاء عن جهود تطوعية مؤمنة لم تساعدها حكومة عربية ولم تدعمها منظمة اسلامية رسمية. نزلت ضيفا في المملكة الهولندية على بعض هذه الجمعيات وانشطتها ـ جمعية التوحيد ـ وقضيت ساعات ما بين محكمة لاهاي وسجن «شخيفنجن» الداكن الاسوار الذي يقيم فيه منذ اسابيع قليلة رئيس يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفيتش بعد ان سلمته دولته الى عدالة محكمة الجنايات الدولية بطلب من المدعية العامة لهذه المحكمة كارلا ديل بونتي. وفي لقاء مع الشباب العربي المثقف المقيم في هولندا ـ شبابا وفتيات ـ دار الحديث حول همومهم الراهنة وهواجسهم ومشاكلهم وحول التحولات الكبرى التي طرأت عى القانون الدولي. ولمست لدى اغلبهم انطباعا بأن الذي جرى للدكتاتور الصربي ميلوسيفيتش ما هو الا تطبيق انتقائي للقانون الدولي حسب مصالح الامبراطورية الامريكية وحليفاتها، وليس اقرارا بصنف جديد من العدل الدولي الذي يتخطى الحدود ولا يعترف بالأوطان كما يدعي دعاة المحكمة الجنائية الدولية. ولكن اغلب هذا الشباب يعتقد رغم ذلك ان هذه المحكمة ظاهرة صحية جديدة وجديرة بالدعم لأنها ستكون رادعا قويا لبعض الذين تحكموا في رقاب شعوبهم وأرسوا دعائم حكمهم على أنظمة التعذيب والابادة والملاحقة. ووجدت بعض شبابنا العربي المتخصص في القانون الدولي يسعون لمتابعة جزئيات الملاحقة القضائية التي بدأها في بروكسل عاصمة المملكة البلجيكية قاض بلجيكي ضد رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون استجابة لشكوى تقدمت بها احدى الناجيات من مذبحة صبرا وشاتيلا، وحسب القضاء البلجيكي فللقضاة حق متابعة المجرمين أينما كانوا ومهما كان منصبهم الحالي بمقتضى الصلاحية العالمية التي يتمتع بها القضاة البلجيكيون. وفي صدد قضية فلسطين اعتززت شخصيا بما لمسته من تحول في الرأي العام الأوروبي حيال حقوق شعبنا الفلسطيني، وقد تم هذا التحول بفضل جهود كوكبة من الحقوقيين الفلسطينيين والعرب والمسلمين تناولوا الصراع العربي الاسرائيلي لا من منطلق الشعارات ولكن من منظور القانون الدولي والشرعية الدولية. وهذه اللغة الذكية للدفاع عن شعبنا المقموع تشد اهتمام الرأي العام الأوروبي لانها تقنعه بالحجة الدامغة والبرهان الساطع بأن ما يجري في فلسطين هو عملية استعمارية وعنصرية لسلب وطن بأكمله من أصحابه الأصليين، ضد كل شرعية وانتهاك لكل بنود القانون الدولي، بدءا بميثاق المنظمة الأممية وبدءا من اغتيال مبعوثها الكونت برنادوت عام 1948 إلى الضرب عرض الحائط بكل قرارات المنظمة الأممية ومجلس الأمن، ونكث المواثيق والمعاهدات من مدريد إلى أوسلو إلى مخيم داود. وهذه الطريقة القانونية للدفاع عن حق شعب فلسطين هي الطريقة الأنجع والأجدى، لانها تخاطب عقول الأوروبيين مثلما كان ولا يزال الصهاينة يخاطبون مصالحهم وعقد الذنب لديهم ومشاعرهم المسيحية ذات التوجهات «البروتستينتية» المعتقدة خطأ في الاتحاد الخرافي بين المسيحية واليهودية وفي عودة المسيح على أيدي بني اسرائيل في ارض فلسطين. ان الخطاب القانوني الدولي الذي لمسته لدى هذه النخبة العربية المسلمة قد ادى رسالته السياسية المتميزة حين جعل من المملكة الهولندية منطلقا مثاليا لاعادة الاشراق لصورة العربي والمسلم في الذاكرة الجماعية الاوروبية. وهذه مناسبة لكي اكون امينا وأحيي من كل قلبي هذه النخبة العربية المسلمة المجاهدة في حقل القانون الدولي لنصرة قضايا العرب واهمها قضية شعب فلسطين الذي يتعرض لازهاق الارواح وقلع الاشجار وتدمير المنازل، في ظل صمت دولي يعتبر معرّة اخلاقية لجيلنا الحاضر بأسره. ونعول لسجن منتجع «شخيفنجن» الذي يبعد عن البحر مئات الامتار ويقبع فيه دكتاتور صربيا سلوبودان ميلوسيفيتش بعد ان كان على سدة الحكم في شهر ابريل 2001 لا يزحزحه شيء عن عرشه، واثقا تمام الوثوق من استمرار حكمه وديمومة قمعه وتواصل غطرسته، حتى زلزلت الارض من تحته على أصوات معارضيه واحتجاجات ضحاياه، ولكن الذي عجل بسقوطه ليس هو القانون الدولي اي الضمير العالمي، بل الارادة الامريكية والاوروبية حين حكمت عليه بالخروج عن صف المصالح الامريكية والاوروبية باعتناق ايديولوجية قومية متطرفة تلغي الاختلاف في العرق والرأي، وهذا هو بيت القصيد. فالعولمة اليوم تعني تعايش الثقافات والاعراق والاصول في كنف طغيان الامبراطورية الامريكية المنفردة بالقوة، وذلك هو درس القرن الحادي والعشرين: الليبرالية في الاسواق والتجارة والاقتصاد والديمقراطية في حكم الشعوب حتى تختار من تشاء ونشوء المجتمعات المدنية بعيدا عن سيطرة الدولة الطاغية. هذا هو ما قرره الغرب المنتصر للعالم أجمع وهو يسوقه ويروج له بشعارات براقة، ولكنها انتقائية لابد ان تصب في قلب مصالحه ورفاهيته وسلامة شعوبه، والويل والثبور وعظائم الامور لمن لم يفهم رسالة العالم اليوم وهي رسالة الغرب المنتصر الطاغي. فالقانون الدولي الذي رأيت رموزه الاحد الماضي متمثلة في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية بلاهاي وفي سجن «شخيفنجن» القائم الرهيب، هو قانون القوى الجاري على المستضعف ولكنه قانون يمكن ان يضع شعوب العالم في مأمن امين من انتهاكات حقوق الانسان وحرمته وكرامته وعرضه وأسرته وأطفاله، حين تخاف اليد التي تهب لصفع معارض وتتردد العصا التي تهم بضرب وجه رجل مختلف في الرأي، وتنفتح ربما الزنزانة التي يقبع في داخلها مفكر او مثقف جريمته الوحيدة انه رجل حر. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر