(كلما نجحت في تجاوز المنطقة الوسطى بين الحق والظلم.. بين الأسود والأبيض.. بين العتمة والضوء.. كلما شعرت أن يد الآلهة قد مدت الى ضميري ومسحت عليه.. وهو ما يجعلني أسارع بتقبيلها وأبللها بدموع العرفان والشكر على الهداية الصعبة الى تحقيق العدالة). هكذا كان يصلي قاضي قضاة مصر الفرعونية كلما دخل معبد (ماعت). رمز الحق والصدق والعدل.. وما كان يصلي به قاضي القضاة كان جزءا من أقدم نص أدبي عن (الحق والباطل) عرفته البشرية ويعود الى أكثر من 3500 سنة قبل الميلاد. إن العدالة هي التي صاغت بحروف القانون الحضارة المصرية العريقة وجعلتها بمثابة (فجر الضمير) للبشرية كلها.. والقانون يعني المساواة بين الغني والفقير.. بين الوزير والخفير.. بين الحاكم والمحكوم.. إن نصوص العدالة كانت تدعو القاضي أن (يعامل من لا يعرفه كمن يعرفه.. ويعامل القريب من الملك كالبعيد عنه).. وكانت تدعو الأمير أن يتحرى الصواب في أمره.. وأن يكون مهابا بين الناس.. ولكن (الخوف من الأمير لا يأتي إلا من إقامته للعدل).. وتوجه النصوص كلامها للوزير قائلة: (واعلم أنك ستصل الى تحقيق الغرض من منصبك إذا جعلت العدل رائدا في عملك.. أنظر.. إن الناس ينتظرون العدل في تصرفات الوزير.. إنها سنة الآلهة منذ أن حكمت الأرض). وفي كتابه (التنظيم القضائي في مصر) يقول المستشار محمد فتحي نجيب: (إن فرعون كان يصدر الأمر بتعيين القضاة ولكنهم كانوا يقسمون عند تعيينهم يمينا في حضرته ألا يطيعوه إلا فيما يطابق العدل وأنه من حقهم مخالفته فيما ينافي الحق). والكتاب يستحق القراءة.. ليس فقط لأنه منشور في سلاسل (القراءة للجميع).. ولكن لأنه أيضا أول كتاب من نوعه يسهل قراءته.. بل ويجب قراءته.. فنحن في زمن اختفت فيه أصول الصداقة والقرابة وتشابكت فيه العلاقات والمصالح وتعقدت ولم يعد أمام الناس سوى اللجوء للمحاكم.. كل من يختلف مع جاره في شيء تافه يرفع قضية.. كل من يختلف مع زوجته على الحياة المشتركة بينهما يجري الى المحاكم.. كل من يصدم بسيارته سيارة أخرى ينهي الحادث في مكتب محامي.. إن دور العائلة والنقابة والقبيلة قد انتهى في تصفية الخلافات والمنازعات وتضاعف دور العدالة.. وهو ما جعل المحاكم المصرية تنظر كل عام 6 ملايين قضية.. بواقع قضية لكل 10 مواطنين تقريبا.. وهو ما يجعل من الضروري أن يتمتع المواطن بحد أدنى من الثقافة القانونية ليعرف حقوقه وواجباته.. وهو كذلك ما يجعل هذا الكتاب مهما ويستحق القراءة. ولست أجد في تاريخ العدالة في مصر أفضل من الفصل الفرعوني.. فقد كان يأخذ بنظام التقاضي على درجتين.. ويقوم على اساس وحدة المحاكم بالنسبة للمصريين جميعا.. وفي الوقت نفسه عرف نظام القضاء الاداري.. ونظام التحكيم.. وأقر مبدأ استقلال السلطة القضائية وسيطرت عليه روح عدم التدخل في أعمالها.. وهو ما يجعله أقرب الى النظام القضائي المصري الحديث. ويقوم النظام القضائي المصري الحديث على عدة مبادئ منها: التقاضي على درجتين بمعنى وجود محكمة ابتدائية تصدر حكما أول درجة ثم محكمة استئناف أعلى لها صلاحية مراجعة الحكم بتأييده أو تعديله.. ومنها مبدأ وجود محكمة عليا هي محكمة النقض التي توصف بأنها محكمة القانون أو محكمة الأحكام.. فهي تراجع مدى سلامة تطبيق القانون في الأحكام التي تصدرها محاكم أول درجة والاستئناف.. ومنها مبدأ علنية الجلسات.. فالمحاكمات تجري في قاعات مفتوحة إلا في حالات خاصة مثل بعض قضايا الأمن القومي والآداب فتكون سرية.. ومنها مبدأ أن القضاء لا يباشر نظر أي دعوى إلا بناء على طلب.. فلو علم القاضي بوجود نزاع بين شخصين فليس من وظيفته التدخل في فضه مالم يطلب أحدهما ذلك رسميا.. ومنها مبدأ مواجهة الخصوم.. فأطراف القضية يجب أن يكونوا في حضرة القاضي.. ومنها مبدأ الشرعية الجنائية وهي أنه لا جريمة ولا عقاب إلا بنص في القانون.. وهي أيضا أن المتهم بريء مالم تثبت إدانته.. وينص القانون على ضرورة وجود محكمة ابتدائية في كل عاصمة من عواصم المحافظات.. وتصدر الأحكام من ثلاثة أعضاء.. وهي على خلاف المحكمة الجزئية التي تشكل من قاضي واحد هو الذي يصدر حكمها.. وهي مختصة بالجنح والمخالفات التي ترفع النيابة العامة الدعوى فيها مباشرة والدعاوى المدنية التالية لها بالتبعية.. والدعاوى المدنية والتجارية التي لا تتجاوز قيمتها 500 جنيه ويكون حكمها نهائيا اذا كانت قيمة الدعوى لا تتجاوز 50 جنيها.. وتختص المحاكم الجزئية أيضا بالفصل ابتدائيا في منازعات الأحوال الشخصية مثل الحضانة والنفقة والمهر والإرث والولاية على أموال القصر والأذن بزواج القاصر. وفي مصر 8 محاكم استئناف في القاهرة والاسكندرية وطنطا والمنصورة والاسماعيلية وبني سويف وأسيوط وقنا.. وتصدر أحكامها بثلاثة مستشارين.. ولها اختصاص جنائي ومدني.. وهي أعلى في أحكامها من المحكمة الابتدائية.. وأحكامها واجبة النفاذ حتى لو طعن عليها أو وجهت الدعوى الى محكمة النقض. ومحكمة النقض لا تبحث في موضوع الدعوى وإنما تبحث في سلامة تطبيق القانون لذلك فإنها توصف بأنها محكمة المحاكم أو محكمة القانون ولو ثبت أن هناك خطأ في تطبيق القانون فإنها تحكم بإعادة الدعوى الى محكمة تبحث في الموضوع من جديد.. ومن ثم فإن الغرض من إنشاء محكمة النقض هو تقويم ما يقع في الأحكام من شذوذ في تطبيق القانون وتقرير القواعد القانونية الصحيحة ورفع ما تلحقه الأحكام من الأذى والضرر بالناس بتمكينهم من الطعن فيها رجاء إبطالها أو إلغائها.. ومن ثم فإنها تمثل قمة البنيان القضائي وتعد أحكامها بمثابة قواعد قانونية يمكن الاسترشاد بها في الأحكام وهو ما يجعل أحكامها بمثابة القانون.. وقد أنشئت محكمة النقض في مصر في 2 مايو عام 1931.. ومقرها مدينة القاهرة وتؤلف من رئيس وعدد كاف من نوابه وبها دوائر لنظر المواد الجنائية والمدنية والتجارية والأحوال الشخصية.. ويرأس كل دائرة فيها رئيس محكمة أو أحد نوابه وتصدر أحكامها من 5 مستشارين. ويجوز اللجوء الى محكمة النقض في حالة الخطأ في تطبيق القانون أو في حالة بطلان الحكم.. ويمكن أن يكون الطعن من النائب العام.. وفي حالات نادرة يمكن لمحكمة النقض نظر الموضوع وهي حالات يحددها القانون بوضوح ودقة.. وترسي محكمة النقض القواعد القانونية ويقوم المكتب الفني الملحق بها بتبويب هذه القواعد ونشرها بخلاف دوره في إعداد البحوث الفنية والإشراف على المكتبة القانونية. وتدخل النيابة العامة ضمن النظام القضائي المصري.. ووظيفتها الأساسية تحريك ومباشرة الدعوى الجنائية بعد إجراء التحقيقات الأولية التي يمكن حفظها إذا لم يكن في البلاغ أو الشكوى ما يخالف القانون.. ويقوم باداء وظيفة النيابة العامة لدى المحاكم - عدا محكمة النقض - النائب العام أو أحد نوابه المساعدين أو المحامين العامين أو رؤساء النيابة أو وكلائها أو معاونيها.. أما محكمة النقض فلها نيابة عامة مستقلة.. ويرأس جهاز النيابة النائب العام وهو يعين من بين مستشاري محكمة النقض أو الاستئناف أو من في درجتهم بقرار من رئيس الجمهورية.. ويلحق بمكتبه المكتب الفني ويرأسه محام عام وإدارة التفتيش القضائي بالنيابة العامة وتختص بالتفتيش القضائي على أعمال النيابة العامة وإدارة النيابات ويرأسها محام عام وتتميز النيابة العامة بالاستقلال التام وعدم جواز ردها. ويختص مجلس الدولة والقضاء الإدارية بفض المنازعات بين الدولة والأفراد وإبداء الرأي في أمور التشريع والفتوى.. وقد أنشئ مجلس الدولة بمرسوم عالي في أبريل عام 1879.. وقد تطور منذ ذلك الوقت حتى وصل الى ما هو عليه الآن طبقا للقانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية.. وطبقا لهذا القانون يتكون مجلس الدولة من ثلاثة أقسام.. قسم قضائي.. وقسم للفتوى.. وقسم للتشريع.. ويتكون القسم القضائي من المحكمة الإدارية العليا.. ومحكمة القضاء الإداري.. والمحاكم الإدارية.. والمحاكم التأديبية.. وهيئة مفوضي الدولة.. وتختص محاكم مجلس الدولة بنظر الطعون الانتخابية ومنازعات المرتبات والمعاشات والطعن في القرارات الإدارية ودعاوى الجنسية وطلبات التعويض ضد السلطة الإدارية.. وسائر المنازعات الإدارية. ومقر المحكمة الإدارية العليا في القاهرة وتصدر أحكامها في دوائرها تتكون من 5 مستشارين وتكون بها دائرة أو أكثر لفحص الطعون تشكل من 3 مستشارين.. أما هيئة مفوضي الدولة فمهمتها تحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة.. ويتكون قسم الفتوى من إدارات مختصة لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والوزارات والهيئات العامة وتختص هذه الإدارات بإبداء الرأي في المسائل التي يطلب فيها الرأي من هذه الجهات وفحص التظلمات الإدارية.. أما قسم التشريع فيختص بمراجعة وصياغة القوانين أو قرارات رئيس الجمهورية قبل خروجها.. وتختص الجمعية العامة لقسمي الفتوى والتشريع بإبداء الرأي في المسائل الدولية والدستورية والتشريعية التي تحال إليها بسبب اهتمام رئيس الجمهورية أو الهيئة التشريعية أو مجلس الوزراء أو الوزراء أو مجلس الدولة.. والمسائل التي ترى فيها إحدى لجان قسم الفتوى رأيا مخالفا لفتوى صدرت من لجنة أخرى.. والمنازعات التي تنشأ بين الوزارات والمصالح والهيئات العامة أو بين هذه الجهات بعضها البعض.. وأعضاء مجلس الدولة مثلهم مثل باقي أعضاء السلطة القضائية غير قابلين للعزل ولهم نفس الحقوق والضمانات التي نص عليها قانون السلطة القضائية. ثم نأتي الى المحكمة الدستورية العليا التي تختص وحدها بالرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التي لها قوة القانون والفصل في المنازعات بين سلطات الدولة المختلفة فيما يتعلق بتطبيق الدستور وبتفسير نصوصه وتفسير القوانين والتشريعات الأخرى.. وقد ظهرت الحاجة الى هذه المحكمة التي تعد من السلطات العليا في البلاد في عام 1953 أثناء مناقشة لجنة الخمسين التي وضعت مشروع الدستور المصري بعد ثورة يوليو.. وفي عام 1969 أنشئت المحكمة الدستورية العليا بقرار جمهوري رقم 80 للسنة نفسها.. فكان هذا أول تشريع مصري يأخذ صراحة بمبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين من خلال هذه المحكمة.. وقد زاولت المحكمة عملها طبقا لهذا القرار الجمهوري الى أن صدر دستور عام 1971 الذي نص على إنشاء المحكمة الدستورية العليا التي تشكلت في عام 1979. يشترط قانون المحكمة الدستورية ألا يكون سن أعضائها أقل من 45 سنة وهم يختارون من أعضاء المحكمة العليا وأعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين وأساتذة القانون الحاليين والسابقين في الجامعات المصرية والمحامين الذين اشتغلوا أمام محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا 10 سنوات على الأقل.. على أن يكون ثلثا الأعضاء من بين أعضاء الهيئات القضائية.. ويعين رئيس الجمهورية رئيسها بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للقضاء الذي يؤخذ رأيه أيضا في تعيين أعضائها.. ويتولى رئيس المحكمة مؤقتا رئاسة الجمهورية في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية أو في حالة عجزه الدائم عن العمل وكان مجلس الشعب منحلا.. فالأصل أن يتولى رئاسة الجمهورية مؤقتا رئيس مجلس الشعب.. وأعضاء المحكمة غير قابلين للعزل ولا ينقلون الى وظائف أخرى إلا بموافقتهم.. وللمحكمة هيئة مفوضين يتمتعون بذات الحصانة التي لأعضائها.. وتعد أحكام المحكمة الدستورية العليا نهائية وغير قابلة للطعن وهي ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة وتنشر في الجريدة الرسمية بدون مصروفات خلال 15 يوما على الأكثر من تاريخ صدورها ويترتب على الحكم بعدم دستورية قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقها من اليوم التالي لنشر الحكم.. فإذا كان الحكم متعلق بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا لهذا النص كأن لم تكن ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به.. وليس هناك جهة قضائية أخرى تنازع المحكمة في شئونها.. مما يعني الأخذ بمركزية الرقابة القضائية في مصر.. وبجانب دورها الرئيسي تقوم المحكمة بفض النزاع بين الأحكام المتناقضة وتفسير القوانين. إنني أعرف أن هذا النوع من الكتابات يسبب الصداع ويشعر القارئ بعدم التركيز خاصة في صيف يوليو الساخن الى درجة الغليان.. ولكن.. تعقد الحياة وزيادة متاعبها أدى بنا الى ضرورة اللجوء في النهاية الى القضاء طالبين العدل والإنصاف.. وليس من الضروري أن نكون متخصصين في النظام القضائي المصري ولكن على الأقل علينا أن نعرف إطاره العام.. وحدوده البعيدة. إن المحاكم في مصر هي مصير كل مواطن مهما تصور نفسه صالحا ومهما مشى الى جوار الحائط أو حتى داخله.. ومن ثم فقليل من المعرفة والثقافة القضائية قد ينقذنا من مشاكل ومتاعب كثيرة. ـ كاتب وصحافي مصري