على كثرة ما تتمتع به النساء في مشارق الأرض ومغاربها إلا أن المتعة الأكبر بالنسبة للغالبية العظمى إن لم يكن كلهن هي في حضور الأعراس والمشاركة في مجالسها التي تعتبر منتدى نسائياً خالصاً خصوصاً في مجتمعاتنا الخليجية المحافظة، التي تقيم للعرس حفلات يقتصر حضورها على النساء فقط ما يجعله فرصة يجب عدم تجاهلها لاشباع هواية أزلية في النساء يطلق عليها الرجال «حب النميمة»، وهي هواية كما تعلمون لم تعد قاصرة على النساء في هذا الزمان على وجه التحديد، فالمقاهي والملاهي ومجالس السمر الرجالية لديها من الحكايات الكثير. ولأننا في موسم الصيف، وهو ذاته موسم الاجازات السنوية فإنه يتحول تلقائيا إلى موسم للزواج أو إكمال «نصف الدين» كما هو متداول بين الناس جميعاً. وإذا كنا في أمثالنا الشعبية نردد دائماً ان «الحشر مع الناس عيد» فإن التواجد في حفلات الأعراس يعتبر بالنسبة للنساء مجموعة من الاعياد. فحضور عرس يعني الكثير بالنسبة للمرأة أو الفتاة، فهو أولاً فرصة للقاء الاهل والاقارب والصديقات ومناسبة لتأكيد الاناقة في الملبس وتسريحة الشعر ونوع العطور، وفي الوقت نفسه استعراض النجاحات والانجازات ـ ربما خلال عام مضى ـ ويمكن اضافة التمنيات والآمال والطموحات لعام مقبل دون نسيان بالطبع ما تميزت به هذه أو تلك من القيام أو حتى مجرد الاستعداد للقيام برحلات على مستوى عالي الفخامة لتمضية الاجازة في ربوع مونت كارلو وسويسرا وكان وأحياناً هونولولو وكوستاريكا، وهذه الأخيرة لم تحظ منا باهتمام رغم ان تجربتها في التنمية السياحية تستحق كل الاهتمام. ونعود معكم «ومعكن» الى صلب موضوعنا الرئيسي بالحديث عن حفلات الأعراس التي تبدأ دائما بدعوة نتلقاها لحضور حفل زفاف إحدى الصديقات أو القريبات أو بنات الجيران، وهي دعوة لا يمكن رفضها مهما كانت الاسباب، وان كانت الاسباب التي شرحناها من قبل تكفي للحضور والمشاركة بل وتحض عليهما، حتى لا تضيع أي «حرمة» على نفسها جمع الأعياد التي ذكرناها قبل قليل. ورغم أن الدعوة الشفاهية كانت هي السائدة لدينا في زمن الأمهات والجدات إلا أن زماننا قد ساقنا إلى عادات جديدة نتصور أن الجيل الحاضر والأجيال الاتية بعده سوف تتعامل مع هذه العادات المستمرة وكأنها جزء من موروثنا القديم، يوم أن كانت البنت تقول في سرها أو علانية «بستة ريال.. يابا جوزني»، ونتوقف قليلاً امام بطاقات الدعوة لعرس «فلانة بنت فلان» فنفاجأ بأن ما كنا نعرفه قبل سنوات عن هذه البطاقات قد قطع شوطا كبيراً من التطور المصحوب ـ للأسف ـ بعدم البساطة في تلك العادة الجميلة التي عرفها أهلنا في زمانهم الماضي. إن نظرة واحدة الى أحدث انواع بطاقات الدعوة للاعراس تنقلنا نقلة بعيدة عما كان، فالأشكال تنوعت وكذلك الأحجام ونوعية مادة الصنع التي اصبحت من حرير وساتان ودانتيل والمخمل وجلد إلى جانب الورق الفاخر بالطبع. أما مستوى الفخامة فإنها تشي بلا شك بالتكلفة المادية الكبيرة التي تكبدها أصحاب العرس والذين يتعمدون بما يدفعون من أموال أن يعلنوا عن مستوى القدرة المادية أو الوضع الاجتماعي أو الرغبة في منافسة آخرين يعلمونهم ويودون التميز عليهم حتى وإن كان ذلك في البطاقات التي ينتهي مفعولها بمجرد معرفة تاريخ العرس، ويعلم الله اين تذهب بعد ذلك بثوان أو دقائق، لكنها طبيعة البعض في حب المظاهر والرغبة في التقليد، وليس مهما ان كان تقليدا أعمى أو بصيراً، لكن ماذا نفعل ولله في خلقه ـ كما يقولون ـ شئون. وحتى لا نظلم أحدا أو نعمم على الجميع دون استثناء فإن هناك بطاقات دعوة تأتي على أشكال يمكن الاحتفاظ بها كالأطباق المزينة والدمى وغيرها، ولا أقصد بهذا طبعا ان يتحول إليها البعض، لأن الهدف من البطاقة هو الابلاغ وأبسط الخامات كفيلة بلا شك، هذا اذا كانت الضرورة ملحة لاستخدام البطاقات، خاصة بالنسبة لمن يقيمون اعراسهم بالفنادق الكبرى وهم لحسن الحظ محدودو العدد، خاصة في ظل ما نشهده من قناعات المجتمع بعدم المغالاة في تكاليف الأعراس حرصا على عدم ارهاق كاهل الشباب بالنفقات. وقبل أن نترك البطاقات وحكاياتها المتشعبة يحلو لنا ان نتحدث عن بعض ماتحمله هذه البطاقات من كلمات للترحيب والتهاني، حيث يعلو بعضها آيات قرآنية عن المودة والرحمة والسكن والتآلف بين أي زوجين، تمثل دعوة للعروسين للتبصر في جوانب حياتهما المقبلة. وهناك بطاقات تحمل أمثالا شعبية من تراثنا الخالد وأخرى تحتضن على صفحاتها أبياتا شعرية جميلة ذات معان راقية تضفي البهجة والسرور على نفوس المدعوات، لكنها بالقطع لا تمنعهن من ممارسة النميمة، خصوصا اذا كان بين الحاضرات من ينتمين الى فئة المثقفات وعلى وجه الدقة، اذا كان بينهن شاعرات. ومن أطرف ما أصبحت عليه البطاقات ما أصبح بندا او بنودا ثابتة تنص جميعها على عدم حمل آلات التصوير «والمبرر معروف» وعدم اصطحاب الأطفال «وذلك ايضا مفهوم» وآخر الممنوعات واحدثها عدم اصطحاب الخادمات. وهذا أمر شرحه يطول ويحتاج منا لوقفة خاصة لأن «الحش» الذي تمارسه الآسيويات في هذه المحافل النسائية يستحق موسوعة تدرس بعناية من كل جهات الاختصاص. وفي طقوسنا المحلية في حفلات الزواج يتم تقديم الحلوى وأنواع العصائر، ثم تناول طعام العشاء لتدور بعده دلال القهوة، ومن خلفها العربة الصغيرة المحملة بالعود والعطور والدخون، ثم تصعد الفرقة الموسيقية، فإن كانت عناصرها نسائية شاهدنا كما ونحن نسمع، وان كان اعضاؤها من الرجال سمعناهم من وراء ستار، إلى ان تأتي العروس فتبادر إلى المرور بين الطاولات كي تلتقط لها الصور التذكارية، ويظل الأمر هكذا حتى يحين موعد حضور المعرس، مما يسمح للمدعوات بتداول مسلسل «الحش» بالعروس بدءاً بالشكل والفستان والمكياج والتسريحة مروراً بطريقة المشي وشكل الابتسامة، وبعدها يتجه المسلسل إلى تفاصيل الحفل وأوجه القصور فيه ليتواصل بعد ذلك عن المدعوات أنفسهن، حيث تتبادل كل منهن اطلاق لسانها على الأخرى تمضية للوقت، وقتل الفراغ. وينتهي العرس بخروج العروسين وينسى الجميع الأمر ويبقى الفرح للمعاريس والجري للمتاعيس، وفي كل عرس يتكرر نفس السيناريو ، لكنه لا ينتهي أبداً. هذا باختصار هو حال الأعراس التي نحضرها هذه الأيام، العكس تماماً مع أول عرس أذكره منذ سنوات بأدق تفاصيله وكل ملامحه، وهو حال كل الأعراس قديما، فالعرس الذي كان يتم في «الفريج» لم يكن يعني أهل العروسين وحدهم، بل هو عرس لـ «الفريج» كله، والمشاركة وجدانيا، وأدبياً ومادياً، كانت ملزمة بالعرف والتلقاء على الجميع، ورغم بساطة تلك الأعراس إلا ان الفرحة كانت كبيرة وحلاوة العرس الذي يستمر أياماً تبقى لاسابيع وأشهر أخرى. أعراس لم تكن لها بطاقات دعوة، ولا طقوس مستوردة ومستوحاة من بيئات أخرى، لم يكن أهلنا يرتدون من فاخر الثياب، ولا يتحلون من الذهب والفضة إلا بالقليل، وكل مستلزمات العرس وأدواته كانت توفر بالاعارة والاستعارة ورغم ذلك فرحتهم كانت أكبر وأعراسهم أكثر بهجة.