عندما سئل ياسر عرفات عن سبب قبوله توقيع اتفاقيات السلام مع (اسرائيل) وهو الذي يرفضها بشدة، وهو الذي اتهم السادات ذات يوم بخيانة القضية، وبيع الأمة عندما وقع كامب ديفيد وزار القدس، أجاب: لقد آمنت بالمثل القائل: «إذا لم تستطع ان تحاربهم فانضم إليهم». هذا في السياسة، فماذا عن بقية أوجه الحياة؟ ماذا عن احتياجاتنا الأخرى من الدواء والغذاء والملبس، و... إلخ، هل يجب ان نؤمن مثل عرفات بأننا لا نستطيع ان ننتج مثلهم وان نصنع مثلهم، ولذلك فما علينا سوى ان نركع أمامهم بانتظار ان يهبونا حصتنا من الدواء والغذاء و..؟ إذن فأين ذهبت الأسطورة القديمة التي كانوا يحكونها لنا في حصة التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية وفي التلفزيون والاذاعة وخطب الرؤساء الرنانة حول: موارد الوطن العربي التي لا حدود لها؟ حكاية المرضى الذين تنشر الصحف يومياً حكاياتهم ومعاناتهم، وحكاية المرضى وأصحاب الأوجاع والآلام التي لا تتوقف إلا حينما ينتقلون من مشافي أوطانهم العربية (العملاقة) إلى مشافي الغرب، حكاية قديمة متجددة لا تنتهي ، ولن تنتهي على ما يبدو، فحتى حبة اسبرين لا نستطيع تصنيعها إلا بإذن الشركات الغربية صاحبة الاختراع. أكثر ما نحتاجه وما ننفق على شرائه هو الدواء، فالطفلة التي نشرت حكايتها بالأمس يتكلف ثمن دوائها الذي يجلب من أوروبا آلاف الدراهم شهرياً، ومع ذلك فنحن مضطرون لأن ندفع وبأي ثمن لنجلب الدواء من هناك، أما لماذا لا توجد لدينا أو لدى أي دولة عربية صناعة أدوية متطورة، فتلك حكاية أخرى! فأولاً نحن أمة آمنت وبجهل مطلق بعدم أهمية البحوث والمراكز البحثية المختصة في صناعة الأدوية، فإذا وجدت مصانع أدوية في بعض البلاد العربية، فهي بمقاييس لا تنافس ولا توفر المنتج الصحيح ذا المقاييس العالمية، ويعود السبب أولاً وأخيراً إلى ضعف تمويل هذه الصناعة رسميا أو أهليا في الوقت الذي تمول فيه مشاريع وأعمال ليست بتلك الأهمية على الاطلاق. لقد وصلت دول فقيرة نسبياً في امكانياتها المادية قياسا بثروات وامكانيات الوطن العربي إلى حالة من الاكتفاء الذاتي دوائياً، فكيف تمكنت هذه الدول من ذلك، بينما فشلنا نحن كأمة وكوطن ضخم وكثروات وعلماء ومتعلمين من الوصول إلى ما وصلوا إليه؟ إلى متى ستبقى اجتماعات وزراء الصحة العرب لا تقود إلى نتيجة في هذا الاتجاه مثل اجتماعات وزراء الزراعة والصناعة والإعلام.. مجرد اجتماعات وبيانات وتوصيات لا ينفذ منها شيء؟ أين تذهب أموال العرب؟ أخشى أن اقول ان بعض أموالنا العربية يستثمر للأسف في الغرب وأمريكا على هيئة مصانع لصناعة الأدوية تعود إلينا لنشتريها بملايين الدراهم، وحينما تحتاجها طفلة مسكينة تعاني احتمالات الموت بين يدي والديها إذا تأخر الدواء، فإننا نركض لهم وندفع لهم ما يشاءون من أجل حفنة دواء فيها حياتنا وحياة صغارنا، ومع ذلك لايدفعنا هذا الواقع المرير للتفكير في انقاذ انفسنا، نحن نعمل على ما يبدو بمقولة عرفات ابتداء من السياسة وحتى حبة الاسبرين! Aisha@albayan.co.ae