في زمن التحولات الكبرى، وبشكل خاص التحولات الأيديولوجية، توجد شخصيات غريبة تتبدل وتتحول مع كل تبدل وتحول أيديولوجي، وتدافع في كل تبدل وتحول عن النموذج الجديد الذي تتحول إليه اليوم بالحماس نفسه الذي كانت تدافع به عن نموذجها السابق الذي لم تمر ليلة واحدة على الانسلاخ منه، ويبدو أن تلك ظاهرة طبيعية لا غريب فيها، بل يعتقد هؤلاء أنفسهم أن الغريب ألا يتغير ويتبدل الإنسان مع التحولات الأيديولوجية الكبرى، لأنهم لا يؤمنون بهزيمتهم الشخصية مع هزيمة الفكرة التي اعتنقوها، بل يرون أن هزيمتهم الحقيقية عندما لا يتبدلون باعتناق الأفكار «المنتصرة». لأنهم يؤمنون أن هزيمة الفكرة لا تعني نهايتهم، بل نهاية الفكرة نفسها، ويرون أن هزيمة أي فكرة تعني نهاية تلك الفكرة نفسها وليست هزيمة في معركة من معارك متتالية تخوضها الأفكار تنهزم حينا وتنتصر حينا آخر. والحياة السياسية في العالم كله مليئة بهؤلاء، وربما كانوا هم الأكثر ضجيجا في كل موقع ينتمون إليه، يرفعون الشعارات في اللحظات الحاسمة ويتخلون عنها في اللحظات الحاسمة ايضا، يبدلون المواقع تبديلهم لقمصانهم وأحذيتهم وأربطة عنقهم، ويرتدون منها ما هو مناسب لدرجة الحرارة المطلوب مواجهتها، ولا مانع لديهم من تفسير مقولاتهم بكلمات تتناقض مع تلك المقولات نفسها، لأنهم يؤمنون بأن اللغة ليست سوى أداة لا معنى لها في الأصل، بل المعنى يمكنهم أن يشكلوه هم حسب رغباتهم وطبقا لأهوائهم. المشكلة ليست في وجود هؤلاء، لأن التاريخ العالمي حافل بهم وفي جميع المجالات والحقب، وان كانوا في السابق استطاعوا أن يخفوا الانتماء نظرا لبعد المسافات الجغرافية نسبيا عنها الآن، ولغياب الإعلام الكامل وقتها، وليس مثل الآن يمكن لأي كلمة تقال ولو خطأ أن تنطلق بسرعة البرق لتصل لمن يريد، لكن المشكلة في أن معظم الناس يصدقون هؤلاء ويميلون إليهم اكثر من ميلهم لغيرهم. بعد التحولات الأخيرة في الأيديولوجية التي أعقبت سقوط جدار برلين اصبح الغرب مليئا بهؤلاء الذين كانوا في السابق من المعادين للنظام الرأسمالي واصبحوا الآن من «المدافعين» عن رأس المال الذي يعتبر عماد نموذج العولمة الذي يجتاح الدنيا باسم الحرية. المشكلة ليست في وجود هؤلاء الآن في الغرب، ولكن المشكلة أن العالم الغربي الذي يريد أن يقدم نفسه للعالم كنموذج يجب أن يحتذى باعتباره النموذج الأكثر بريقا في عالمنا المعاصر، هذا العالم النموذج تحول في الفترة الأخيرة إلى النموذج الأكثر ملائمة لتلك التحولات الشخصية التي يمكن أن تكون اقرب إلى الانتهازية منها إلى شخصيات تشكل جزءا من الأيديولوجية الحقيقية لنظام يريد أن يكون نموذجا أو بديلا لما سقط. لو نظرنا من حولنا لشاهدنا العديد من النماذج التي تقدم نفسها على أنها من اليسار أو اليمين، وتدافع عن هذا الانتماء بكل ما تملك من قوة الكلمة والتأثير، وبين ليلة وضحاها تتحول من موقع اليسار إلى اليمين، أو من موقع اليمين إلى اليسار وتدافع بالقوة نفسها عن الانتماء الجديد. ولأنني عاصرت تحولات كبرى حدثت في بلد مثل إسبانيا، التي أقيم فيها منذ ما يقرب من ربع قرن، أي بالضبط منذ أن بدأت ذلك التحول الكبير إلى الديمقراطية بعد ما يقرب من أربعين عاما من الدكتاتورية الفردية المتمثلة في نظام الجنرال فرانكو، ونظرا لعملي في الإعلام الأقرب إلى الأشخاص المنتمين إلى عالم السياسة والاقتصاد، أي عالم الأيديولوجية، أي العالم الذي اخذ على عاتقه العبء الأكبر لقيادة هذا التحول الوطني الداخلي الذي جاء تقريبا في الوقت نفسه الذي حدث فيه التحول الأيديولوجي الأكبر في العالم، فقد شاهدت خلال تلك الحقبة التي تبدو كما لو كانت قد بدأت بالأمس، أو أنها بدأت قبل عدة قرون، شاهدت العديد من تلك النماذج، بل وتحاورت معها على أمل فهم رؤيتها وطريقة تفكيرها. ربما كانت شخصية «جوزيب بيكيه»، الطالب اليساري والأستاذ الجامعي السابق بجامعة قطالونيا، ثم رجل الأعمال السابق الذي أثرى من حقبة التحول الديمقراطي في عهد حكومات رئيس الوزراء الاشتراكي فيليبي جونثالث، ليصل إلى أن يحتل منصب وزير الصناعة في حكومة الحزب الشعبي اليميني الأولى عام 1996، ويعود مجددا وزيرا للخارجية في الحكومة اليمينية برئاسة خوسيه ماريا ازنار، ومر قبل هذا الاختيار بمنصب المتحدث الرسمي باسم تلك الحكومة لتلميع صورتها التي أصابها التشوه خلال وجود المتحدث الرسمي الأول لها والذي كان ينضح بالفكر اليميني المكشوف. اعتقد أن مجرد قراءة كل تلك المناصب التي احتلها جوزيب بيكيه كافية لمعرفة مدى السهولة التي كان يتقلب بها بين الاتجاهات والتوجهات والمناصب، والى حد كان يدافع في كل مرحلة عن التوجه الذي كان يضمه، بل أن حماسه لكل مرحلة كان يفوق حماسه لسابقتها، دون أن يعتذر عن المرحلة السابقة التي كان يدافع عنها لأنه يعتقد أن التحول والتبدل سمة من سمات البشرية جمعاء، لا سمة من سمات شخصيته الخاصة المجبولة على مثل تلك التحولات بسهولة. قد يعتقد البعض انه لا يوجد في مثل هذه التحولات ما يشين، بل هناك من يرى بالفعل أنها تحولات مطلوبة، خاصة إذا كانت الأفكار التي يؤمن بها المرء أثبتت فشلها أو يبدو ذلك كما حدث في التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكها. لكن المشكلة لا تكمن في قبولنا أو رفضنا لمثل تلك التحولات بقدر رفضنا أن يكون التحول في كل مرة لتحقيق مكاسب شخصية بحتة، ولا علاقة لها بالتطور الفكري الذي يمكن أن يصيب شخصيات قلقة باحثة عن الجديد في كل فكر إلى أن تكتشف في النهاية الفكر الذي يمكنها أن تنتمي إليه، وتستريح في ركن من أركانه. جوزيب بيكيه وزير خارجية أسبانيا الحالي اعتنق الفكر اليساري وانتمى إلى الحزب الشيوعي القطالوني خلال فترة حياته الطلابية، لان ذلك الانتماء كان وقتها يحقق الطريق إلى الظهور كما يقول محللون تابعوا مسيرته «التحولية» بين الافكار، هذا على الرغم من أن أصوله العائلية ربما كانت تدفعه بعيدا عن هذا الانتماء، فهو ابن لعمدة المدينة، وكان أبوه وقتها أحد أعمدة التنظيم اليميني المهيمن على الحياة السياسية في عهد الجنرال فرانكو. لكن حسب هؤلاء انه لم يكن مؤمنا كليا بالتنظيم الذي كان ينتمي إليه في الجامعة، وان هذا التنظيم لم يكن سوى أداة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتحقيق هدف ما، ودليلهم على ذلك انه لم يكن يوجه جهده الأكبر للعمل الفكري والسياسي في هذا التنظيم بقدر محافظته على التحصيل الدراسي مما جعله يكون الثاني في ترتيب التخرج بعد انتهاء مرحلة الدراسة الجامعية. وبعد تخرجه قرر تقديم أطروحة الدكتوراه باللغة القطالونية التي كان التوجه «الشعوبي» في قطالونيا يستخدمها راية له في مواجهة ما تبقى من نظام الجنرال فرانكو، وخلال هذه المرحلة اقترب كثيرا من تلك التجمعات المنادية بحق الشعب القطالوني، وهي تنظيمات كانت متعددة، ولكن أكثرها بروزا كان التنظيم الذي ينتمي إلى يمين الوسط «كمبرجنثيا»، أي انه حتى خلال تلك الفترة لم يحاول الاستمرار في الانتماء اليساري لسبب بسيط: أن الطريق إلى الحياة العامة كان وقتها اسهل عبر هذا التنظيم. وبالفعل سهل له هذا الانتماء أن يدخل في إطار مجموعة مختارة من رجال الأعمال تحلقت حول «دي لا روسا» رجل الأعمال الشهير الذي اعتبره الكثيرون نموذجا لرجل الأعمال الناجح في تلك المرحلة من التحول الديمقراطي في أسبانيا، حيث كان النجاح فيها يقاس بمدى ما يمكن أن يحققه الفرد من ثروة بغض النظر عن مصدرها، ولذلك ليس غريبا أن يقضي «دي لا روسا» - رجل الأعمال الناجح بمقاييس تلك المرحلة- بقية حياته بين قضبان السجن بدلا من الاستمتاع بما حققه من ثروة. خلال تلك الفترة تقلب جوزيب بيكيه بين العديد من المناصب والوظائف في إطار ما كان يعهد به إليه دي لا روسا، الذي كان وراء ازدهار وانهيار الاستثمارات الكويتية في أسبانيا (!)؟، وربما كان دور جوزيب بيكيه اكبر مما هو معلن حتى الآن في تدمير ثروة الكويتيين في أسبانيا، باستغلال ظروف غزو صدام حسين للبلاد. بينما كان دي لا روسا يواجه تعقيدات حياته المالية في العديد من المحاكم نجح جوزيب بيكيه في الهرب «مؤقتا» من هذا المصير، بل أن نجمه كان في صعود بعد أن بدأت حقبة الحكومة الاشتراكية في أسبانيا تفقد بريقها، وتترك مجالا لليمين للوصول إلى السلطة، وسطع نجم بيكيه في هذه الظروف بالذات، خاصة أن الحزب الشعبي اليميني لم يهزم الحزب الاشتراكي بالضربة القاضية، بل كان في حاجة إلى دعم احزاب الأقليات، ومنها الأقلية القطالونية التي رشحت جوزيب بيكيه ليكون رجلها في أول حكومة يمينية في أسبانيا برئاسة خوسيه ماريا ازنار عام 1996. تولى جوزيب بيكيه منصب وزير الصناعة بحكم انتمائه إلى هذا العالم خلال الفترة الاشتراكية عندما كان مسئولا عن إحدى أهم واضخم شركات البتروكيماويات «ايركروس» في مجموعة الاستثمارات الكويتية في أسبانيا. لكن الظروف السياسية غير المواتية لحكومة خوسيه ماريا ازنار الأولى جعلته يختار جوزيب بيكيه «اليساري» ليكون متحدثا رسميا باسم الحكومة «اليمينية» في محاولة لتجميل صورتها غير الجذابة، واجتذاب القطاعات غير المنتمية والتي لم تنس بعد ممارسات اليمين خلال دكتاتورية الجنرال فرانكو. قبل جوزيب بيكيه هذا المنصب بحماس شديد، وتحول إلى الأداة التي اخترق بها اليمين العديد من الأوساط المنتمية إلى يسار الوسط، وكما هي عادته في الاستفادة من كل تحول وتبدل، أدى وجوده في هذا المنصب إلى فوز اليمين في انتخابات عام 2000 بالأغلبية المطلقة، بل أن حماسه للفكر اليميني دفع به إلى طلب الانتماء إلى الحزب الشعبي اليميني، وتم ترشيحه على قائمة هذا الحزب في قطالونيا منافسا للحزب الذي رشحه من قبل ليكون ممثلا له في الحكومة الأولى التي كانت تفتقر إلى أغلبية مريحة للحكم، أي أن دخوله لتلك الحكومة لم يكن مقبولا، أو على الأقل لم يكن مريحا، وأدى حماسه لتحوله الفكري الجديد أن يعود في الحكومة الجديدة وزيرا للخارجية. لو تابعنا مسيرة تحولات جوزيب بيكيه لوجدنا انه حقق في مرحلة الانتماء الشيوعي الشهرة بين طلاب الجامعة، وخلال مرحلة الدراسات العليا انتقل إلى الوسط الشعوبي القطالوني ليحقق المال ويحتل مناصب عديدة في شركات مزدهرة ما كان له أن يحلم بها لو ظل على فكره اليساري، ليدخل بعد ذلك السياسة العامة لأسبانيا وزيرا للصناعة ممثلا للاتجاه الذي يمثله حزب الأقلية القطالونية، واستغل وجوده في تلك الحكومة الأولى ليجمل صورتها أمام الجماهير، ودفعه حماسه إلى الفكر اليميني أن يصل إلى منصب وزارة الخارجية، وهي وزارة سيادية ما كان له أن يصل إليها لولا إعلانه الدائم لقبول ما كان يوكله لها رئيسه في الحكومة والحزب. قد يرى البعض انه لا غبار على أحد في ممارسة كل هذه التقلبات ما دام يفعلها صادقا ومؤمنا ولا يهدف إلى تحقيق مكاسب مادية آنية من خلال كل هذه التحولات. لكن جوزيب بيكيه لم يكن تلك الشخصية التي تنقلت من حركة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر إيمانا بالحركة السياسية والفكر، بل بمدى ما يمكن أن يحققه من مكاسب شخصية بغض النظر عن أي شيء آخر، وإلا ما كان يتعرض الآن لمطالب عدة جهات قضائية برفع الحصانة البرلمانية عنه لاستجوابه في العديد من القضايا والتي تنتمي إلى مراحل عدة من حياته العملية. اتهام بالمشاركة في الفوضى التي أصابت الاستثمارات الكويتية في أسبانيا والتي أدت إلى إفلاسها «المصطنع» خاصة شركة ايركروس التي كانت «تاج» تلك الاستثمارات وأكثرها تحقيقا للأرباح، والتي انتهت إلى الإفلاس في عهد رئاسة جوزيب بيكيه لها. اتهام بالإثراء غير المشروع على حساب شركة ايركروس خلال مفاوضات بيع قطاع البتروكيماويات فيها المتمثل في شركة «اورتويل» بسعر اقل من السعر الحقيقي لها. اتهام بالتهرب من الضرائب عن المكاسب التي حققها خلال عمله في قطاع المال والأعمال، ثم بعد ذلك خلال وجوده في الحكومة اليمينية الأولى عندما تحايل على مؤسسة الضرائب خلال شرائه لعقارات سكنية عبر شركة وهمية، إضافة إلى اتهامات أخرى. لكن يبدو أن البعض محصن ضد «الكسر»، فعلى الرغم من إثبات أن جوزيب بيكيه كان مسئولا -على الأقل- عن جزء من هذه الأعمال، وان بعض هذه الاتهامات توجد عليها دلائل أو على الأقل شبهة قرائن قانونية، لا يزال يجد حماية من رئيس الحكومة الذي يخشى أن تكون مساءلة جوزيب بيكيه بداية انهيار حزبه بالطريقة التي استطاع بها إخراج الحزب الاشتراكي من الحكومة باتهامها بالفساد، لذلك جند له «النائب العام» ليكون محاميه ضد أي شخص أو هيئة أو مؤسسة تسول له نفسه جره إلى المحاكم. لكن يبقى السؤال: هل يمكن لمن يرتكب مثل هذه الأفعال حصانة أبدية ضد المساءلة؟، أعتقد أن الزمن كفيل بكشف الحقائق ووضع تلك الشخصيات في المكان الذي تستحقه، فلا هرب لأحد من حكم التاريخ، خاصة إذا كانت تلك الشخصيات قد اختارت العمل العام لممارسة هواياتها في التقلبات الفكرية. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا