لم يسألني إذا كنت أعرف اسمه أم لا ؟، هكذا جنبني حرجا، بعد تطلعي إليه اكتفى بتساؤله: - ألا تعرفني؟ قلت مبتسما: - معقول ؟ حدث هذا أكثر من مرة خلال الاعوام الأخيرة، أن التقي بشخص ما، أعرف ملامحه، قسماته عندي، لكن يغيب الاسم عن بالي، في زمن فتوتي قال شيخ أجله على مسمع مني، أول ما يدرك ذاكرة الإنسان من عطب، نسيان الاعلام، هل لحقني ذلك؟، هل بدأ اندثار لحظات عشتها، وغياب أشخاص يمثلون أمامي ولا أعرفهم مع أن حوارا جرى بيني وبينهم يوما، ومعرفة امتدت واتصلت، ألقاهم، أراهم، ولكني لا أبصرهم بوعيي، عند وقوع ذلك أبادر بصياغة استفسارات عامة، لعل بارقة تسطع عندي فأدرك، هكذا بادرت قائلا: ـ وأين أنت الآن؟ لم تثر الاجابة تداعيا واحدا عندي، تتدفق العربات في عرض الطريق، اضطررنا إلى التقهقر خطوتين، طلعت فوق الرصيف، حاذاني، أعرفه، ملامحه مألوفة عندي، فيها هدوء، وفي عينيه استكانة، شاربه قصير يعلو شفتين تبقيان شبه مضمومتين عند الحديث، أعرف الوجه، لكن خلا رصيدي ومخزوني مما يمكن أن أقارن به، بدأ ودودا، راغبا في البوح قلت: ـ في نفس المكتب؟ - لا، نقلنا منذ سنة إلى شارع عدلي.. ـ أمام البنك. ـ بالضبط .. أنت زرتني في المكتب القديم. ـ خشيت أن يسألني عن المكان القديم بدافع اختبار معرفتي به، يقدم بعضهم على ذلك، بل يلحون متسائلين: ـ طيب.. من أنا؟ أما هذا فبدا هادئا، اما أنه يصدقني، أو غير راغب في إحراجي، كنت أكبح حيرتي حتى لا تسفر عنها ملامحي، أي مكتب عنيته يا ترى؟ متى زرته بالضبط، ولماذا ؟ لأي غرض ؟، قال: - الأيام تمر بسرعة. ـ نحن الآن في أغسطس، والله كأن رأس السنة أول أمس. ـ كل شيء يجري. لحظات صمت، توقفت السيارات، يمكنني الشروع في العبور لكنه سألني: ـ هل ترى نبيل مهران؟ - على مدد متفاوتة.. ضاقت عيناي، قلت: - آخر مرة منذ ستة شهور.. قال متأسيا: - يا سلام .. كنا لا نفترق.. ـ ياه.. عني أو عنه؟ أو ثلاثتنا معا؟ تبدو المناطق المعتمة من ذاكرتي مستعصية، قصية عني، خشيت إحراج الرجل لو بدا مني ما يدل على جهلي ونسياني، لا أعرف إلا الملامح في مجملها، لكنها غير متصلة باسم، بموقف، بزمن خاص . يسألني: ـ ما أخباره؟ - من ؟ - نبيل قلت انه منطوٍ، وانه غير سعيد بعد عودته من الخارج، يبدو أن أمورا تغيرت عنده، أشياء لم أقدر على تحديدها تماما، لكنه لم يعد ذلك الإنسان المنبسط، المرح الذي لم يكن يكف عن السخرية حتى من نفسه، الاغرب. أننا بعد دقائق من اللقاء لم نجد ما نقوله، فنضطر إلى إبداء الأعذار نفترق بدون الاتفاق على موعد تال.. ـ تصور.. ـ قال متأسيا، وهو يتجاوزني بنظرته - اضطربت أموره بعد الطلاق.. ـ ياه.. ـ ألم يخبرك بانفصاله؟ أقسم - أبدا والله.. ـ ألم يخبرك عندما رأيته ؟ - لا - متى قابلته؟ نبيل مقر عمله قريب، لا يفصلني عنه إلا شارع واحد، لكن نوبته تبدأ في الثانية والنصف، أي قبل انصرافي بنصف ساعة عملي، نهاري أما هو فمسائي، الحق أنني لا اذكر متى قابلته، لكني رحت أمعن في الحديث عن ثالث لا يتواجد معنا تجنبا للحرج - لازم تشوفه .. حالته كانت صعبة جدا.. ـ وابنه؟ - أظن مع أمه .. ثم قال ان نبيل مقيم الآن في فندق قريب من الدقي، لم يعثر على شقة حتى الآن، هذا صعب، مكلف جدا الآن، قال انه ترك لها كل شيء، قلت.. ـ من رآهما لم يكن ليتخيل أبدا.. ـ كل شيء يمكن فهمه إلا العلاقات الإنسانية.. ـ خسارة .. ابنهما لطيف جدا.. يبتسم، يقول.. ـ ألم تدر. اصبحت جدا.. ـ تتزايد حيرتي، حتى قوله هذا لم يخدش ذاكرتي، كلما اتصل الحوار ازداد نأيا عني، أصبح جدا، لكن من هو؟ من ؟ صحت مداعبا. ـ يا عجوز .. أنجب ابنك إذن.. ـ ابنتي - لم تخبرنا ولم تدعنا.. ـ والله تم كل شيء في أضيق الحدود .. الولادة تمت فجأة .. ثم كيف نستدل عليك . أسفارك كثيرة.. ـ في السنة الأخيرة.. يقول - كان الله في العون.. تتوقف السيارات، بعضها تجاوز الخط الأبيض، أتطلع إلى أضواء المرور قلقا، أشير بيدي إلى اللاجهة.. ـ ما تتفضل معنا.. ـ كأنه أدرك رغبتي، وعجلتي.. ـ خلينا نشوفك.. ـ طبعاً، طبعاً، تصاعد حماسي عند دنو اللقاء من نهايته، لم أخط مباشرة إنما أحنيت رأسي احتراما، لحظة عبوري التفت، لم أر إلا مؤخرة رأسه وكتفيه، أدركت إلى أي حد بدأ مهموما، مثقلا، وأن لهجته فاضت ودا ورغبة في القربى، هل كنت فظا عندما انهيت اللقاء بدعوتي المحتوية على رغبتي في المضي، لكني، الأهم من ذلك، هل أدرك عجزي عن استحضار اسمه، أو قبس من الفترة التي جمعتنا؟ ليتني أعرف.