في ساعات الصباح الأولى يسارع نفر من الأشخاص للالتحاق بوظائفهم، فتراهم يقودون سياراتهم بسرعة أو يهرولون باتجاه التاكسي، وفي أحسن الأحوال يحشرون أنفسهم مع أحد الزملاء ليوصلهم في سكته. في ساعات الصباح تلك يحلو للمرء أن يراقب مشهد طريق الشارقة دبي المزدحم حيث الجميع يقود سيارته بطريقة «الزيك زاك» للوصول إلى العمل قبل بداية الدوام، وهذا في حال كان السائق محنكاً ويجيد التشفيط واللف والتجاوز، وإذا ما شاهد شرطياً من بعيد فإنه (بكل لطافة) يدس خنفساءه بين سيارتك والسيارة التي أمامك، وإذا كان مهذباً سيهديك ابتسامة في مرآة سيارته ومعها تلويحة يد، وإذا كان سلوكه مطابقاً لمواصفات (الزيك زاك) فإنه «سيطنش» ولن يعتذر، بل يشعر بالحنق لأنك تُزحم الطريق انت وغيرك في هذا الوقت وتمنعه من الوصول باكراً إلى عمله. لكن الأمر يختلف عندما يكون السائق فتاة ـ وقطعاً النساء لسن من هواة الزيك زاك ـ ولكن يمكن ان يعرقلن السير لأنهن حذرات جداً، وخاصة عندما تكون المسافة قريبة من السيارة التي أمامهن، فيكثرن من استعمال الفرامل ويتشبثن بالمقود، وعلى وجوههن مسحة هلع، ولا يحركن السيارة من أرضها إلا بسماع صوت منبه السيارة التي خلفهن، طبعاً هذا إذا كانت سائقة السيارة غير محنكة كفاية، وفي حال كانت لديها حنكة وخبرة في قيادة السيارة فإن أمورها محلولة، فهي لا تهرول مسرعة صوب عملها، لأنها ببساطة غير مستعجلة، سترمي حقيبتها على المقعد الذي بجانبها وتضرب مارش أو سلف وتذهب مباشرة إلى الشارع المزدحم وتقف خلف الطابور بكل هدوء، ثم تعدل مرآة السيارة وتتفحص وجهها وتخرج من حقيبتها عدة المكياج وقبل ان تبدأ عملها يمكن ان تحرك سيارتها قليلاً، ثم تضرب خديها بفرشاة بودرة أساس وهي فرشاة كبيرة، بعدها تخرج علبة أحمر الخدود وتعيد ضرب خديها بقطعة قطنية فتدب فيهما الحياة، ثم تحرك سيارتها قليلاً إلى الأمام، وترطب شفتيها الرقيقتين بلسانها وتطليهما بأصبع كبير من أحمر الشفاه وتزمّهما ثم تفردهما على الآخِر وتطليهما بأحمر الشفاه من جديد، ومن ثم تحرك سيارتها قليلاً بعدما أطلق الشاب الذي خلفها «بيب» صغير، فانتبهت وتحركت، ولكنها سرعان ما تعود إلى حقيبتها السحرية لتخرج منها قلم رصاص غليظا، وتسحبه على جفنها الأسفل وتعاود الكرة على الجفن الأعلى وترف رمشيها على طريقة الأرانب في أفلام الكرتون لتتأكد من ثبات الظل، فتشعر بشيء من الرضا عن الشكل الذي لا يكتمل إلا بأربع أو خمس ضربات مشط في الشعر ومن بعدها تلقف قطعة لبان في فمها وتستل من جيب جانبي لحقيبتها السحرية نظارة سوداء باطار ذهبي مزخرف وتضعها على عينيها لتصبح نيكول كيدمان! هؤلاء لا يشعرون بالملل لتأخرهم في الوصول لأن الطريق مسلية، حيث فيها مشاهد تعجز السينما عن مجاراتها، فالمرأة التي انهت مكياجها يقابلها في الجانب الآخر من الطريق شاب يدخن بشراهة عدة سجائر قبل الوصول إلى العمل، لأن التدخين ممنوع في مقر عمله، لذلك يحرق نصف الباكيت قبلما يصل إلى عمله، ولا يتوانى عن قذف أعقاب سجائره من النافذة بطريقة (الفقس) يعني ان يضعها بين ابهامه ووسطاه ويفقسها، فتطير إلى زجاج المكياج، ولكنه لن يفوز منها إلا بنظرة ازدراء وتهديد فيحجم ويتمهل بحثاً عن طريدة أخرى! وبعيداً عن مشهدية السينما سيكون هناك في الجوار فيلسوف يقود السيارة، وهو يقرأ الجريدة، خوفاً من ان تفوته الأخبار ويكاد لشدة تأثره بالمانشيتات ان يصدم السيارة التي أمامه، حيث ان سائقها ليس أحسن حالاً منه، فهو موظف مجتهد ينجز على الطريق المزدحم ما لا يستطيع انجازه في العمل، فينكب على حل الكلمات المتقاطعة، ويملأ فراغ المربعات، ولكنه سيتوقف طويلاً أمام كلمة صعبة لا يستطيع تجميعها (يحدث كل صباح) من أربعة حروف، فيفكر.. ويفكر، حاء.. حاء.. حاء.. حادث، ويخبط السيارة التي أمامه! ويتعطل مئات الأشخاص على الطريق بسبب فيلسوف كهذا السائق أو غيره ممن ينجزون في السيارة ما يجب انجازه في مكان آخر. email:H-S-D@maktoob.com