قد يقول قائل بأن للعرب قوة كبيرة بامكانهم ان يستخدموها، وان المشكلة اليوم هي في عدم استخدام الانظمة لهذه القوة الكامنة والمكونة من اكثر من 280 مليون عربي في اكثر من 20 دولة. وقد يرد آخر بأن مشكلة الدول العربية الاكبر هي في عدم استغلال مواردها وعدم بناء امكانياتها، وعدم وضوح اولوياتها، وذلك لأنها تعيش استنزافا دائما حول قضاياها الداخلية والخارجية. ان القوة بمفهومها الحديث والمعاصر تتشكل من القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية والنفسية، والروحية، ولن ننسى ان نضيف احد اهم مكونات العصر: التجديد والابداع والتأقلم مع التغير. ولكن هذه القوة في مجتمعاتنا تتشتت بغياب معظم هذه المكونات. ولو تمعنا النظر في تقرير الامم المتحدة للتنمية البشرية الذي نشر مؤخرا لوجدنا ان معظم الدول العربية تقع في خانة متراجعة وذلك من حيث مؤشرات التنمية والتعليم والانتاج والاقتصاد. في هذا المجال تقع الدول العربية في خانة تتراجع فيها عن معظم دول العالم باستثناء افريقيا السوداء. لهذا فإن قوة الـ 280 مليون عربي تصبح محدودة لأنها قلما تشتري للعرب تأثيرا وقلما تحقق لهم نفوذا ووصولا الى المواقع الدولية والعالمية المطلوبة. ان القوة العربية بمعناها الراهن عددية وليست نوعية، محدودة التأثير وليست قادرة على تحقيق النتائج التي يأمل العرب كدول منفردة او كجماعة في تحقيقه. ولكن المشكلة الثانية التي يعاني منها العالم العربي مرتبطة بهوية الانظمة السياسية. فالدول العربية تميل الى التقليد على حساب التجديد، وتميل الى البيروقراطية على حساب الانجاز، وهناك خلط كبير بين الشخصي والمهني في المناصب الحكومية، وخلط كبير بين الانتاج والتواجد الشكلي في مكان العمل، وهناك غياب للتبادل والثقة بين مواقع العمل، وهناك خلط للأهداف بين كل مسئول جديد وكل مسئول مغادر، وهناك ازمة في بناء التحالفات وفشل في رعاية العمل الجماعي والمحافظة عليه. وفي التعامل مع هذه الابعاد اصبح العالم العربي معروف بفشل معظم مؤسساته، فالمؤسسة الناجحة قلما تحافظ على استمراريتها بعد الجيل الاول او حتى بعد الادارة الاولى لها، وبنفس الوقت اصبحنا من اكثر المجتمعات تأكيدا على دكتاتورية القيادات في ابسط واصغر المؤسسات الحكومية والغير حكومية. فعلى مدى ربع قرن قد نتعرف على جمعية للنفع العام من خلال ادارتها الابدية التي لا تتغير، كما قد نتعرف على جمعية او مؤسسة او جهاز حكومي من خلال تربع شخص على عرشها على مدى عقود متتالية دون انقطاع بمعنى امر بينما تبدع المؤسسات في العالم من خلال ضخ الدماء الجديدة فيها، نجد ان قدم الدماء هو احد اهم مسببات تراجع معظم مؤسساتنا وتحولها نحو سبات عميق. ومع فشل اساسيات الادارة ومع فشل طرق التعامل القيادي، ومع الفشل في انتاج قادة جدد لان القادة القدامى يحتكرون التجربة ويحتكرون التاريخ، نجد ان العالم العربي اصبح من اقل العوالم انتاجا للجديد، اكان هذا الجديد في مجال الابتكار او القيادات او الادارة ام، الاقتصاد وحتى الجيوش. سوف يبقى الأمر الأهم بالنسبة للعرب: كيف تتحول مكونات الضعف العربية الى عنصر قوة؟ كيف تتحول مكونات التراجع في العالم العربي الى مؤشرات الاقتصاد والى عناصر مفيدة للقضايا التي يرى العرب انها مهمة ورئيسية لهم؟ وقد يكون الجواب على كل هذا اكثر صعوبة من استمرار الأوضاع الراهنة، لأنه سوف يتطلب الكثير من التغير والكثير من المواجهة مع «مراكز القوى» السائدة في كل مكان، كما سيتطلب الارتباط بالعالم الأوسع في مجال العلم والادارة وفي مجال الاقتصاد والانتاج. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت