برنامج فيصل قاسم (الاتجاه المعاكس) الذي تبثه قناة الجزيرة القطرية برنامج جماهيري، رغم جدية موضوعاته. وهو أمر لم نعتد عليه في اعلامنا العربي. فالتسلوي الذي يقوم على البهرجة والضحك والرقص والغناء وبعض استعراضات الجسد هو الذي اعتدنا عليه كبرنامج جماهيري. هذه ميزة نحسبها للبرنامج الذي احتل مكانته الجماهيرية بسبب الصدام الذي تقدمه حلقاته بين طرفي الصراع الساخن (أو المسخن أحيانا). لكنني لاحظت منذ مدة وبسبب مراقبة حلقات البرنامج بشكل شبه اسبوعي، ان أطراف الصراع تلتقي بطريقة ليست بريئة تماما.. فإذا كانت الحلقة التي ناقشت توجهات الزعيم الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة مستغربة ومستهجنة بسبب توقيتها لمحاولة شق الصف الوطني في الداخل الفلسطيني، واتهام واحد من أفضل رموز مقاومة طمس الهوية العربية لسكان فلسطين بأنه يدعو إلى الأسرلة وهو تعبير من اختراع الدكتور بشارة شخصيا. فإن احدى حلقات البرنامج أثارت دهشتي فعلا. فالحلقة استضافت اسلاميا من لندن (الغنوشي) وكاتبا في الحياة (الصالح) بدا وكأنه يمثل العلمانيين دعاة الديمقراطية والمجتمع المدني، لكنه في الحقيقة من دعاة التطبيع ونبذ العنف والاستسلام للارادة الاسرائيلية. فبدا وكأن الصراع بين دعاة المقاومة ورفض التطبيع (الإسلاميين) وبين دعاة التطبيع والاستسلام (الديمقراطيين والعلمانيين). وهو أمر مستهجن تماما. فالأحزاب الأكثر تشددا في الموضوع الفلسطيني، على الساحة اللبنانية ـ السورية مثلا هي الأحزاب العلمانية: السوري القومي الاجتماعي، البعث، الشيوعي، الناصري ... إلخ. وصحيح ان الأحزاب الإسلامية وأبرزها حزب الله مثلا هي أحزاب مناهضة للكيان الصهيوني، لكنها متوافقة في هذا الطرح مع جملة من الأحزاب العلمانية. كذلك فإن قادة جمعيات مقاومة التطبيع في مصر هم من التجمع والحزب الناصري. فلم أرادت الجزيرة أن تظهر الصراع على هذه الصورة المشوهة، ولمصلحة من؟ لست أدري. أنا لا أريد أن أدخل طرفا في الحملة الظالمة التي تتعرض لها هذه المحطة، والاتهامات التي نسمع بعض الصحف تكيلها لها من ارتباط بالعدو إلى العمالة وغيرها. لانني أعرف ان الصديق محمد جاسم العلي (مدير القناة) هو من الوطنيين العروبيين المخلصين. لكن بعض ما نراه يدعو إلى الاستغراب. فهذا الموضوع بالذات تكرر غير مرة.. كما تكررت الطريقة التي تتم بها اتصالات الإسلاميين الذين حولوا برامج الاتصالات الهاتفية بالجزيرة إلى فرص لقراءة بيانات سياسية، كان أطرفها في الحلقة الأخيرة التي أشرت إليها هي اتصال من شخص يدعو نفسه (أبو مريم) فبعد أن شتم رجل التطبيع انتقل منه لشتم جميع العلمانيين ثم الاسلاميين غير الموافقين على آرائه بما فيهم ممثل الاسلاميين في الحلقة (الغنوشي)، واتبع ذلك بفتوى تمنع الجهاد على غير المتوضئين من المسلمين وبالطبع تمنعه تماما على غير المسلمين من المسيحيين وغيرهم والذي قدرهم بنسبة (تافهة) هي عشرين بالمئة من الأمة العربية أي ما يعادل أربعين مليونا فقط. ويطلب هذا الأبو مريم (أو الفزازي) أن نمنعهم من تحرير أوطانهم. وبالطبع فإنه لا يجوز لسهى بشارة وسناء محيدلي، زهرة شهداء الجنوب، الدفاع عن أرضهم ووطنهم فإنهما تنتميان إلى حزبين علمانيين. هذه مسألة يجب التدقيق فيها، فليست القضية الفلسطينية مجالا للتجريب، وليست أرواح البشر والشهداء مادة للتندر والتفكه. صحيح ان البرنامج اكتسب جماهيريته من جرأته ومن دخوله المناطق المحرمة وتجاوزه غالبا أعراف الحوار، إلا انني أدعو أصحاب القرار في الجزيرة إلى التروي في المواضيع الحساسة، حتى لا تبدو المحطة وكأنها مروجة لأفكار تجعلنا جميعا اما أوغادا مستعدين لبيع أوطاننا واستجداء سلام لا يمكن تحقيقه دون نضال. شتامين هجائين نلعن كل المناضلين والشهداء بصفاقة ووقاحة. وندعو إلى الغاء العقل العربي متمثلين بالقول الذي أطلقه المطبع (الصالح) على انه قول شهير (تنمية الشرق الأوسط لا تتم إلا بجمع العبقرية اليهودية والمال العربي). نسي أن يجمع معهما العمالة اليدوية الرخيصة بصفتنا أجسادا وأموالا لا عقول لها. أو تجعلنا المحطة اسلاميين متزمتين لا نقبل الآخر ونرسل من يخالفنا الرأي إلى جهنم أو المقصلة، لكننا متمسكون بأرضنا وبثوابتنا فنبدو وكأننا خارج العصر رغم الحق الذي ندافع عنه. إن صورتنا في قناة الجزيرة على هذا الشكل هي صورة مأساوية فعلا. لا أعتقد ان هذه الأمة من محيطها إلى خليجها هي مجموعة من الناس المصابين بلوثة التطرف. فلا تاريخنا يسمح بهذا القدر من الحماقة ولا الحاجة الملحة للنهضة تسمح بالانتظار بعد أن أجهضتها النكسات والنكبات وأعاقتها الأفكار البالية ووقف في وجهها التزمت والتطرف. وخرج علينا فيها اليوم دعاة التأقلم والتوافق والرضوخ للباطل، بسبب قلة الحيلة. أدعو بكل الحب، للبحث عمن يمثل شعبنا العربي بمختلف فئاته وآرائه، أي عن أناس هم أصحاب مشاريع نهضوية لهذه الأمة ينظرون بشمولية إلى واقعنا، يقبلون بالآخر كصاحب مشروع نهضوي مختلف قابل للحوار. يتحدثون بمنطق، يقولون كلاما مفيدا لا جملا انشائية لا تسمن ولا تغني من جوع. يتحاورون لا يتصارعون. وحتى حين يختلفون، يختلفون من مواقعهم الوطنية، التي تقبل ان الوطن ملك للجميع، وفيه لكل مجتهد نصيب، والحكم الأساسي هم الناس الذين يقبلون هذا البرنامج أو ذاك. إن الفضائيات العربية فتحت باب الحوار واسعا ولها فضل كبير في ذلك، انه الحوار الذي سيفيد بإثارة العقل العربي، وهز القناعات الثابتة، واخضاع المفاهيم والمقولات للتمحيص والتدقيق، لكي لا نبقى خارج الدنيا. ونحن نريد لهذه الفضائيات أن تستمر بدورها الهام الذي أخذته على عاتقها، لكننا نخشى أن تكون الاثارة أحيانا على حساب صورتنا الحقيقية، فنبدو وكأننا معتوهون، أو مشوهون لنرضي من يريد أن يرانا كمجموعة قابلة للعمل في السيرك وليس في النهضة والتقدم. ـ مخرج سوري