في كتابه الصادر منذ أسابيع قليلة، والذي يتخذ من سياسة أمريكا الخارجية موضوعه الأساسي، يصف الدكتور هنري كيسنجر القارة الافريقية بانها تشكل مأساة وتحديا في آن واحد. وكان كيسنجر محقا وهو يؤكد على أن أمريكا تتحمل بصفة خاصة، مسئولية تاريخية تنفرد بها - ازاء افريقيا - عن سائر دول العالم. وبتعبير الدكتور كيسنجر في كتابه (ص 200) فإن أفريقيا قضية لا تلبث أن تلح مثل الوسواس الذي لابد وأن يؤرق ضمير أمريكا. ـ لماذا؟ ـ لأن قطاعا كبيرا لا يستهان به من سكان الولايات المتحدة ومواطنيها يستمدون أصولهم وينتهون بجذورهم الى القارة الافريقية (وهم بالطبع الافرو ـ أمريكيون) كما يعرفون في أدبيات السياسة الأمريكية بعد عقد الحقوق المدنية واحداثه واضطراباته في الستينيات، وهي تسمية بديلة أكثر تهذيبا واخف وطأة من تسمية السود أو الملونين، دع عنك لفظة الزنوج التي بلغ أن فظاعتها وتأثيرها أن أصبحت تعد من الكلمات المحظورات المصطلح ـ التابو الذي لا يجوز أن يجري على لسان آحاد الناس، فضلا عن المسئولين وأشباه المسئولين في الولايات المتحدة ولذلك فهم يشيرون اليها بطرق الكناية حين يقولون أنها (إن ويرد) وترجمتها ـ اجتهادا هي كلمة حرف الزاي اياها اشارة الى زنجي التي تكاد في المفهوم الذي تنصرف إليه تنعت الشخص بأنه مجرد عبد.. زنيم.. والله أعلم! يمضى هنري كيسنجر في تحليله الذي ألمحنا اليه قائلا ان على أمريكا أن تتحمل مسئولية خاصة تجاه قارة افريقيا لأن اسلاف الأفرو ـ أمريكيين من مواطنيها جئ بهم أو بالأدق سيقوا مشحونين في سفن الاسترقاق والضياع الى سواحل العالم الأمريكي الجديد وسط ظروف يصفها كيسنجر بانها مازالت تشكل بقعة سوداء في تاريخ البلاد.. فضلا عن أنه فرض على هؤلاء المجلوبين أن يعيشوا في ظروف لا تشرف أي أمريكي، سواء كانت هذه الأحوال المعيشية (البائسة الشائنة) قبل نظام العبودية أو بعد إلغائها. ومع ذلك يحذر كيسنجر من ناحية اخرى من تعامل أمريكا مع أفريقيا بمنطق تعويضات الماضي أو مواريث الأمس.. ويقول ان المشاكل المعاصرة التي تعانيها القارة السوداء هي التحدي الحقيقي وسط عالم يطمح الى ان يبني نظاما عالميا أو كوكبيا جديدا. ثم إن الدكتور كيسنجر يلخص اهم هذه المشاكل في: انتشار الفقر وتدني معدلات النمو واندلاع الحروب الاهلية التي تصل في ضراوتها الى حد الابادة الجماعية للبشر ناهيك عن الفساد الذي ضرب اطنابه هنا وهناك ومانجم عن هذا كله من سيادة الاضطراب الى حد الفوضى مماجعل افريقيا ـ في رأي هنري كيسنجر ـ مرتعا لعصابات وتيارات الارهاب وغسل الأموال المشبوهة ومافيات الجريمة المنظمة. يضاف الى هذا كله غائلة الأوبئة واخطرها طبعا وباء متوالية نقص المناعة المكتسب ـ فيروس نقص المناعة البشرية ـ الايدز حيث أن 70 في المئة من البالغين المصابين يعيشون في أفريقيا و80 في المئة من أطفال العالم المصابين هم من اطفال القارة المنكودة الحظ. ثم يخلص هنري كيسنجر الى نتيجة يبسطها في عبارة يقول فيها: ـ ليس من الممكن أن نتكلم عن عالم مستقل يخيم عليه السلام ويسوده العدل بينما نترك مشاكل افريقيا ماثلة بغير حل أو علاج. رأي البروفيسور صالح بوكر وفي اطار هذه المسئولية التي اشار كيسنجر الى انها تقع بالذات على عاتق أمريكا بحكم المواريث التاريخية التي المحنا اليها في ماسلف من سطور.. ينشر البروفيسور صالح بوكر الباحث المختص في الشأن الافريقي دراسة تحت العنوان التالي: ـ لماذا تعد أفريقيا مهمة بالنسبة لأمريكا؟ (مجلة كرنت هستوري ـ وقائع وراء التاريخ الجاري ـ عدد مايو 2001). المجلة الأمريكية المذكورة اتخذت من أفريقيا وقضاياها وهمومها واشجانها موضوعا للملف الكامل الذي يشمل مواد العدد المذكور، في حين أن دراسة الاستاذ صالح بوكر هي محور هذا الملف وقد حرص فيها على الاطلالة على أجندة الرئيس الأمريكي بوش الافريقية من منظور التحليل النقدي والرصد المستمد من متابعة التطورات والاحداث على أرض الواقع. من جوانب هذا الرصد.. يقف صاحب الدراسة عند التعنت الأمريكي الراهن ازاء عدم التصديق على اتفاقية كيوتو بشأن تغيير المناخ الكوكبي، رغم أن أمريكا ـ كما يعلم القاصي والداني ـ مسئولة بمفردها عن نسبة الربع وربما أكثر من مسببات التلوث وارتفاع درجة حرارة الكوكب فيما اصبح يعرف علميا واعلاميا بظاهرة الدفيئة أو الاحتباس الحراري. ـ في هذا الصدد يقول الأستاذ صالح بوكر: عندما تذوب الثلوج من فوق جبال كلمنجارو (أعلى القمم في أفريقيا) فلسوف يتجلى وقتها مدى الخطر والضرر الذي لحق بافريقيا جراء السياسات التي رسمتها القوة الوحيدة العظمى في العالم (أمريكا) في فجر القرن الحادي والعشرين ولقد جاءت الفيضانات التي اجتاحت موزمبيق واغرقت ربوعها في العامين الماضيين علامات تنبئ بما يخبئه المستقبل في هذا المضمار. وفيما لا يزال وباء الايدز يضرب ضرباته ويواصل تدمير البنى الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا فإن ظاهرة التساخن الكوكبي تواصل التدمير بدورها في جنوب العالم ولاسيما في أفريقيا وبين أفقر أقطارها، وهذه الاضرار لا تأتي كمجرد نتائج ناجمة عن حدوث الكوارث الطبيعية التي يضاعف وطأتها موقف الاهمال، واللا اكتراث من جانب اغنى الأقطار فوق كوكب الأرض، وقتها تأتي بلاوي ثمارا مريرة لسنوات من السلوك العدواني وغير المسئول من جانب بلد كبير هو الولايات المتحدة. افريقيا بغير اهتمام ولا يفوت الأستاذ صالح بوكر، وهو الباحث المقيم في واشنطن والمتابع بداهة لمجريات الأمور في كواليس سياستها ـ لا يفوته أن يشير على سبيل التذكرة وربما العبرة الى ما ظل الرئيس بوش ومستشاروه يرددونه ويؤكدون عليه في سياق الحملة الانتخابية الرئاسية في الخريف والشتاء الماضيين من أن افريقيا (ليس لها مكان ضمن المصالح الاستراتيجية القومية) للولايات المتحدة.. وقد تجلى هذا الرأي الغريب في الحوارات المتلفزة التي ذكرت أن افريقيا وقضاياها ليس لها موضع الأولوية على أجندة الرئاسة والقيادة الجديدة في البيت الأبيض. ويبدو أن منطلق بوش وجماعته في هذا السياق بالذات كان انتقاد سياسات سلفه الديمقراطي كلينتون التي ركزت أكثر من اللازم في رأي الجمهوريين ـ وربما في رأي عدد من المراقبين المحايدين ـ على التعاطي مع افريقيا الى درجة الانشغال الشديد.. ولذلك فمازال اركان الادارة الجمهورية الحالية في أمريكا ـ كولن باول وزير الخارجية، وله كما نعرف جذوره الافريقية ـ يحاولون عمدا، اصلاح ماأفسدته تصريحات، بل تجاوزات الحملة الانتخابية من خلال مايصدر عنهم من تصريحات تحوي نوعا من طمأنة الخواطر، وقوامها أن هواجس وهموم أفريقيا ـ وفي مقدمتها وباء الايدز اللعين ـ سوف تلقى ماتستحقه من اهتمام جاد على مستوى ادارة بوش.. ويصدق الأمر كذلك كما يشير المراقبون على قضية المديونية التي مابرحت تثقل كاهل العديد من اقتصادات القارة السوداء وتحول دون أي تراكم يعتد به ويفضي بدوره الى حدوث نمو أو تنمية لصالح أفقر القطاعات من سكانها. ناقلة نفط اسمها كوندوليزا في هذا السياق أيضا.. ربما يكون مفيدا لقارئنا الكريم أن نعرض لأهم صانعي السياسات الافريقية التي تتوخاها ادارة الرئيس بوش.. وهو جانب اهتمت به الدراسة التي أشرنا اليها حيث يبسط الأستاذ صالح بوكر أحكامه على أصحاب هذه الشخصيات الذين يشكلون الفريق المعاون للرئيس بوش في رسم وتطبيق السياسات الخاصة بافريقيا ومشاكلها ومستقبل التطور على صعيدها، ويمكن تلخيص هذه الأحكام أو الاراء على النحو التالي: - الرئيس بوش نفسه لا يمتلك من خبرات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية سوى النذر اليسير. ومن شأنه ـ كما يتوقع المراقبون ـ ان يتبع نصائح نائبه ديك تشيني المشهود له بالخبرة الطويلة وان كان يعاني اضطرابات في أحواله الصحية.. وهذا الاتباع لمشورة النائب تستوى فيه السياسة الداخلية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ـ نائب الرئيس الأمريكي، ريتشارد (ديك) تشينى لا يتمتع برؤية ايجابية ـ من وجهة نظر البروفيسور صالح بوكر ـ تجاه أفريقيا ومشاكلها وأدواتها حيث يقول بوكر ان تشيني يصدر عن منظور سلبي يصور: مثلا ماضيه في تأييد ابقاء الزعيم منديلا رهن السجن في ظل نظام دي كليرك العنصري الابيض في جنوب أفريقيا.. ناهيك عن معارضة تشيني المسجلة لفرض أي جزاءات على النظام العنصري السالف الذكر وسياسة الفصل العرقي (الابارثيد) التي كان يتبعها ضد الغالبية من السكان الافارقة السود هناك (يومها كان تشيني نائبا في الكونجرس). - السيدة كوندوليزا رايس - الأفريقية الأصل والأستاذة الجامعية التي تشغل منصب مستشار الرئيس للأمن القومي كانت الى عهد قريب - يضيف صالح بوكر - مديرة لشركة شيفرون البترولية التي ظلت تساند الحكم الديكتاتوري العسكري الفاسد في بلد بترولي كبير بافريقيا وهو نيجيريا، وبلغ بالشركة المذكورة الحد الذي جعلها تستأجر جنودا قدمهم النظام المذكور لفض مظاهرات نشبت في موقع عمليات الشركة حيث أطلقت النيران على المتظاهرين العزل من السلاح لا عجب ـ يلاحظ صالح بوكر ـ ان شركة شيفرون تملك ناقلة نفط أطلقت عليها اسم كوندوليزا مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومي. وبمناسبة شركة شيفرون ـ يؤكد أكثر من مراقب ـ ان الرئيس بوش جاء من عائلة تكساسية تضع البترول وقضاياه على رأس اهتماماتها.. أين هذا من مشاكل افريقيا مثل الفقر أو الايدز أو التخلف أو الديون. ـ الجنرال كولن باول ـ رغم أصوله الافريقية لم يبدر عنه ـ ولا رايس أيضا أي اهتمام أو رغبة خاصة في التزود بمعارف أو معلومات استراتيجية حول افريقيا وقضاياها هذا صنف من الساسة المخلصين في ولائهم لأفكار وسياسات الحزب الجمهوري في أمريكا وهي سياسات تصدر عن نزعة القوة والتفوق العسكري والانفراد الأمريكي الى حد الهيمنة في التعامل مع مشاكل السياسة الخارجية وقضايا العالم بشكل عام. ـ ثم هناك والتر كانشتاينر ـ الثالث كما يسمونه وقد وقع عليه الاختيار ليكون أكبر مسئول صانع للسياسة الأفريقية في وزارة الخارجية الأمريكية. وهو أصلا تاجر ورجل أعمال وقد جاء من صفوف معهد معني بشئون الدين والديمقراطية وهو مؤسسة يمينية الاتجاه في العاصمة واشنطن ويشهد تاريخه بأنه كان معارضا للتغيير في جنوب أفريقيا (من سياسة الابارثيد العنصرية الى حكم الأغلبية السوداء بقيادة الزعيم مانديلا). بل كان ممن يعلنون رأيهم بان مانديلا لا يمثل شعوب جنوب أفريقيا ويعارض ـ مثل نائب الرئيس تشيني ـ فرض أي جزاءات على نظام البيض العنصري الذي كان حاكما في بريتوريا. مع هذا كله فالأستاذ صالح بوكر ينظر بعين من التفاؤل العلمي والمحسوب الى مستقبل التطورات في أفريقيا حتى في الأجل القريب أو المنظور. في قمة لوساكا ولقد كتب الرجل سطوره قبل مايو عام 2001 ويومها كانت خطة افريقيا للالفية الجديدة التي حملت اسمها الشهير (ماب) فكرة قيد الصياغة والإغناء والتفعيل. ونحن نكتب سطورنا هذه فيما يعكف قادة أفريقيا في قمتهم المعهودة في لوساكا ـ زامبيا على مناقشة هذه الخطة من جهة وعلى رسم معالم التحول المنشود من منظمة الوحدة الافريقية الى اتحاد افريقي يتوخون منه أن يكون أكثر نجاعة ونشاطا وقدرة على ادارة التحديات التي تواجه القارة السوداء، وتلك مهمة حرص كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة على أن يقرنها في معرض التشبيه بمهمة اعادة بناء أوروبا بعد ويلات الحرب العالمية الثانية.. ولعله كان يلمح بصورة مباشرة أو غير مباشرة الى أن فكرة الاتحاد الأوروبي ولدت في رحم عمليات اعادة البناء هذه ولا ندري ان كان يلمح ايضا الى ضرورة الاخذ بمبدأ التدرج على مهاد الواقعية والنهج المؤسساتي الذي تبلوره الارادة السياسية ويتيح مواصلة العمل بتؤدة ونفس طويل مهما تغيرت الشخصيات وتبدل الأفراد، وهو الأمر الذي أتاح لأوروبا أن تتحول ايجابيا من مجرد اعلان نوايا التوحد عام 1950 الى انشاء اتحاد الفحم والحديد في عام 1957 الى اعلان السوق الاوروبية المشتركة في عقد الستينيات وبعدها اعلان الجماعة الأوروبية وبرلمانها ومؤسساتها الدائمة في الثمانينيات ومن ثم اعلان الاتحاد الاوروبي عند ختام القرن العشرين وبعده طرح عملة اليورو الجديدة الموحدة مع انبلاج فجر هذا القرن الحادي والعشرين. ولا حاجة لافريقيا أن تسير على طريق أوروبا بمنهج المحاكاة أو التقليد ولكن أفريقيا بحاجة ـ بكل تأكيد ـ الى أن تتمثل دروس التجربة الأوروبية، وأن توائم بين هذه الدروس وبين سياقاتها الوطنية واحتياجاتها الداخلية. والمهم أن تبدأ افريقيا ولو الخطوة الأولى التي تكفل لها حشد قواها وهي مبعثرة وتعبئة مواردها وهي واسعة ونفيسة وادراك انها بغير هذا التآزر لن يمد الشمال الغني يده اليها وان عليها أن تبدأ بنفسها ـ كما يقولون في تراثنا ـ ثم بمن تعول.. وبهذا تساعد نفسها لكي يساعدها الآخرون. ـ كاتب سياسي من مصر