عندما فرغت من محاضراتي بجامعة هارفارد، أصر طلاب الدراسات العليا الذين أدرس لهم الرواية العربية المترجمة بالإنجليزية على دعوتي إلى حفل عشاء أقاموه في أحد المطاعم القريبة من الجامعة، تعبيرا عن شكرهم وسعادتهم بالعمل والبحث تحت إشرافي. وذهبت معهم بالفعل إلى مطعم هندي ظريف، برروا اختياره بقولهم إن محاضراتي جعلتهم على ألفة بالثقافة العربية، فلذلك قرروا العشاء على تقاليد ثقافة مغايرة، هي الثقافة الهندية، وبعد العشاء اصطحبوني إلى مقهى (ديدالوس) الذي اختاروه بوصفهم دارسي أدب مقارن، واسم (ديدالوس) هو اسم شخصية يونانية اسطورية، وفي الوقت نفسه بطل رواية جيمس جويس الشهيرة (يولسيس) الذي يدعي ستيفن ديدالوس. ويبدو أن طلابي الآخرين الذي أدرس لهم المادة الثانية، وهي نصوص الأدب العربي، غاروا من زملائهم، وأصروا على دعوتي للعشاء.. ولكنني اعتذرت لهم بأن الأيام القليلة الباقية لي في كيمبردج مزدحمة بالمواعيد، ولكنهم أصروا، وإزاء إصرارهم اتفقت معهم على أن نلتقي في الصباح المتأخر من يوم الأحد الأخير من شهر مايو، ولم يقتنعوا إلا بعد أن جعلوني أقبل دعوتهم على البرانش. (وكَْ) والبرانش كلمة تمزج بين كلمتي الإفطار (فن ًفمْ) والغداء (وكَج) وتجمع بينهما، خصوصا يوم الأحد الذي يستيقظ فيه الناس متأخرين، ولا يتناولون إفطارهم في موعده المعتاد، وقد يستغنون عن الغداء بالجمع بينه وبين الإفطار في الساعة العاشرة صباحا، وهكذا، اتفقت معهم على أن نلتقي في برانش وداعي يظهرون فيه مشاعرهم الطيبة وأقول لهم وداعا، ونتبادل مشاعر المحبة قبل رحيلي، لأن الكثير منهم ممن أنهى الدراسة سيبقى إلى الشهر المقبل يونيو لحضور حفل التخرج والمشاركة فيه. وجاء يوم الأحد، وخرجت من منزلي في العاشرة والنصف. وقررت المشي إلى مكان اللقاء والتمتع بالبرودة الخفيفة التي لاتزال في الجو. ولم أنس مظلتي، فالأمطار على أشدها في ذلك الوقت في منطقة نيوإنجلند. وكان من الطبيعي أن أخترق لأختصر الطريق، وأمتع عيني بمشاهدة ساحة هارفارد (هارفارد يارد) بخضرتها البديعة وامتدادها الفسيح. وبالفعل، دخلت من احدى البوابات القديمة لجامعة هارفارد، ودلفت إلى ساحة هارفارد، حيث تقع مساكن الطلاب والطالبات على ضلعين من أضلاع مستطيلة، ففوجئت بعدد رهيب من السيارات أمام مساكن الطالبات التي تقع في البداية، وبعدها مساكن الطلاب، وأمام هذه المساكن وتلك صف لا نهاية له من السيارات، وحركة لا تنتهي، واثاث يخرج، وحقائب تظهر، وبنات يقبلن بعضهن باكيات، وصيحات وداع. وسألت أول من التقيت به، فاكتشفت أن اليوم هو يوم رحيل الطالبات والطلاب الذين لن يتخرجوا من المستجدين، وأبناء وبنات المراحل الجامعية الأولى، وأن هذه السيارات هي سيارات الطلاب والطالبات، أو سيارات أهلهم الذين جاءوا لاصطحابهم أو سيارات الأصدقاء الذين جاءوا لحملهم. واثارني منظر السيارات، ومنظر الحقائب التي تدخل إلى السيارات، ومشاهد الوداع اللافتة وفرحة الآباء والأمهات الذين ينتظرون بناتهم أو أبناءهم ليفرغوا من مراجعة غرفهم، ومنظر قطع الأثاث التي يخرجها الطلاب والطالبات ليحملوها معهم في سياراتهم لأنها من ممتلكاتهم الخاصة، وكان كل شيء يؤذن بالرحيل، ويعلن لحظات الوداع الحاشدة، لحظات بدا لي فيها كل شيء على إمتداد ساحة هارفارد يقول: الوداع، الوداع، وإلى اللقاء مع بداية العام الدراسي الجديد، وتذكرت رحيلي بعد أيام ثلاثة، وأنني لن أعود في العام الدراسي الجديد، فعندي إرتباطاتي في القاهرة وعملي الذي لا أستطيع أن أبتعد عنه أكثر من ذلك، ولكنني على الأقل دخلت في مشاعر التوديع، وتخيلت أن الأشجار التي تكاثفت خضرتها، والزهور التي لا حصر لتعدد ألوانها وأشكالها، والنباتات التي تملأ كل مكان، والعطر الذي يخلفه المطر على الخضرة، وحركة رحيل السيارات التي لا ينتهي صفها الطويل، كل ذلك بدا كما لو كان يقول لي: الوداع لك أيضا، يا من سترتحل بعد أيام. وتركت نفسي لذكريات التلمذة في جامعة القاهرة التي تداعت على ذهني بسبب علاقة المشابهة، وتذكرت أننا كنا نلتقي في اليوم الأخير لنا في القاهرة، نحن القادمين من خارج القاهرة مع ابنائها وبناتها، ونقضي هذا اليوم في ربوع حديقة الحيوان، أو حديقة الأورمان، أو فيهما معا واحدة بعد أخرى. وما كان علينا سوى أن نعبر طريق الجامعة إلى حديقة الحيوان أو الأورمان، وكلتاهما تواجه جامعة القاهرة. وأخذت صور هذه الذكريات تتداعى على ذهني، أصدقائي العراقيين والسوريين والفلسطينيين والمغاربة والليبيين والتوانسة، الأصدقاء العرب الذين كانت تمتلئ بهم جامعة القاهرة، قبل أن توجد جامعات في أوطانهم، الأصدقاء الذين اصبحوا مثلنا واصبحنا مثلهم، وتواعدنا قبل الرحيل على الإبقاء على علاقة المودة وكررت الفتيات مثل الفتيان وعود عدم النسيان وأهمية الذكرى وضرورة التواصل، تماما كما يفعل هؤلاء الأولاد والبنات الذين أراهم أمامي الآن، وألمح أوجههم التي ذكرتني بأوجهنا ونحن نودع يومنا الأخير في القاهرة. وها أنذا الآن أكتشف أن الكثرة الكاثرة من تجمعات لم تحافظ على وعودها، فالزمن الخؤون أنسانا الأحباب، ومشاغل الأيام تساقطت على الذاكرة وقادتها إلى النسيان، وغابت الأوجه الحبيبة والابتسامات العذبة والأعين الضاحكة في الضباب الذي يسيطر على الذاكرة المرهقة بأعباء العمل والأسرة والمستقبل والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأخيرا المشكلات الصحية التي انتهت بوفاة الكثيرين من هؤلاء الذين ودعتهم وودعوني منذ سنوات بعيدة، والموت الذي اختطف أكثر من زميلة عزيزة كان حضورها بيننا كطائر أخضر المنقار في تلك السنوات البعيدة التي ابتعثتها من الذاكرة مشاهد الوداع في ساحة هارفار. ولكن ما ابعد الفارق بين الأمس واليوم، كل طالب أو طالبة يصطحب معه جهاز الكمبيوتر الخاص به، والظاهر مع عناصر متاعه كالعلامة الدالة على عصره، والسيارات تتعدد أنواعها وألوانها. السيارات العادية التي يشترك فيها أكثر من فتى وفتاة، توفيرا للنفقات، خصوصا إذا كانوا من أبناء ولاية واحدة، خارج ولاية ماساشوستس، وتلك هي السيارة التي ستحمل الطالبات والطلاب الذين حصلوا على منح تسمح لهم بالدراسة في جامعة هارفارد مجانا. وإلى جوار ذلك السيارات الفارهة، سيارات الأهالي الأثرياء الذين يدفعون كل عام دراسي حوالي أربعين ألف دولار نفقات تعليم أبنائهم وبناتهم في الجامعة التي يتباهون بها. وغير بعيد عن ذلك لمحت سيارات ليموزين، ضخمة، كل واحدة منها أشبه بعربة قطار، وإلى جوارها سائقوها بأزيائهم المعروفة وتلك هي سيارات يستأجرها محب ثري لفتاته الطالبة، أو يستأجرها مجموعة من الطلاب والطالبات الأثرياء لتحملهم في يومهم الأخير إلى مكان قريب من الجامعة. أما نحن فلم نكن نعرف الكمبيوتر، ولم نعرف حتى أجهزة التصوير، فكنا نقضي ساعات وساعات في المكتبة، ننسخ بأيدينا الكتب التي نريد أن نحتفظ بها، والتي لا نستطيع شراءها. ولم نكن نعرف السيارات، فقد كان أغلب أساتذتنا خصوصا الشباب منهم، لا يمتلكون سيارات، كانت السيارات للأساتذة كبار السن الذين استطاعوا على إمتداد السنوات الطويلة تدبير اثمان سياراتهم. ولا أذكر أن واحدا من زملائي أو زميلاتي كان يمتلك سيارة، ولا كان أحد معارفنا يمتلك سيارة في ذلك الزمان. كنا نخرج على اقدامنا من جامعة القاهرة إلى خضرة حديقة الحيوان أو الأورمان،ونقضي اليوم كله سعداء بتناول (سميط وبيض) نحصل عليه من الباعة الجائلين في الحديقة، أو نكتفي بسندوتش جبنه وفول. هؤلاء الطلاب والطالبات الذين أراهم لا يعرفون ذلك كله، تغير كل شيء وحملتنا أمواج الأعوام وألقت بنا في عوالم متباعدة. وظللت سادرا في تداعياتي إلى أن وصلت إلى المطعم الذي ألتقي فيه مع طلابي وطالباتي. استقبلني الطلاب بالتحية، أما الطالبات فقبلنني. وجلست محاطا بهم. وسألت نفسي ترى هل يستطيع تلامذتي في جامعة القاهرة تدبير نفقات مثل هذا المطعم الفخم الذي اختاره طلابي وطالباتي لي؟ وهل يمكن للطالبات أن يسلكن مع أساتذتهن مسلكهن مع آبائهن، فالأساتذة آباء في آخر المطاف؟ وهل تفترش البسمة والضحكة أوجه طلابي وطالباتي في جامعة القاهرة أم تكسوها هموم الحياة المتعددة؟ ولم أستطع أن أمضي في المقارنة، فقد جذبني الصخب الذي أصبحت محاطا به مع المحبة، واندمجت شيئا فشيئا مع طلابي في برانش الوداع، وقلت لنفسي: مؤكد أنني سأفتقد هؤلاء الطلاب والطالبات عندما أعود إلى جامعة القاهرة، تماما مثلما أفتقد، الآن تلامذتي في الجامعة التي أنتسب إليها وأظل أحلم دائما بمستقبل أفضل لها، حتى وأنا بعيد بعيد عنها في المطعم الذي اختاره تلامذتي الأمريكان ملتقى لبرانش الوداع.