يبدو أن هاجس الصحافة الصفراء سيظل يطاردنا لأجل غير معلوم، ولحين تطهير الأجواء، والقضاء على معامل تفريخ العاملين في تلك الصحف، أو إعادة تأهيلهم، واستيقاظ ضمائرهم الإنسانية والمهنية، وتقوية الوازع الاخلاقي، والإحساس بالمسئولية لديهم والارتقاء بوعيهم، حتى يتحصنوا ضد الممارسات التي تحط من قدر صاحبة الجلالة وتسيء لكل حامل للقلم. ورغم انطفاء «هوجة» فضيحة «النبأ» المصرية، إلا أن تداعياتها مازالت مستمرة، لأن الازمة لم تكن محصورة في تلك الصحيفة حتى وان اغلقت، فما زالت الابواب مشرعة والنوافذ مفتوحة على مصاريعها لتهب رياح الصحف الصفراء، متلحفة بغطاء رصين يخدع العين، ويوخز الضمائر، بأحاديث الافك والتردي في المعالجات، ويهزأ من المقدسات ويستخف بالرواد في كل المجالات، ويستعيض عن البحث عن الحقيقة وايصالها للقراء، بتوزيع التهم دون سند على الشرفاء، وترديد أغلظ الاتهامات لتجعل من المفكر المعتدل العقلاني متطرفا، مثلما فعلت مجلة ذائعة الصيت مع المفكر الاسلامي المرموق الدكتور محمد عمارة، أو مع الاعلامي القدير حمدي قنديل منذ شهور. وحتى نضع ايدينا على الحقيقة، أو موطن الألم الحقيقي، يجب ان نجهد انفسنا في البحث عن العوامل التي تقف وراء ظاهرة ازدهار الصحف الصفراء لتحجب عن العيون الوجه الناصع والحقيقي للصحافة العربية التي تجاهد في ظروف صعبة لاداء رسالتها، دون استخفاف أو وقوع في فخ الدعائية، وللحاق بعصر المعلوماتية. ومن الواضح ان الصحف الصفراء، ليست قاصرة على الصحف هابطة الاداء، أو فضائحية التناول اجمالا، بل هناك ممارسات من نفس اللون تسللت الى صحف عربية تعتبر في مصاف الصحف القومية ذات التاريخ الناصع. لكن متغيرات السياسة وتبدلات الحياة الاجتماعية، وربما حالة الركود الثقافي وغياب القدر المعقول من الحريات كلها ساعدت على اللجوء للاسلوب السهل والرخيص الذي يحقق النجاح اعتماداً على مخاطبة الغرائز، واثارة الشهوة في انتهاك المحرمات، وهو نفس المنهج الذي يقف وراء رواج المخدرات والافلام الهابطة. يضاف الى ذلك فقدان استقلالية الصحفي، وعجزه عن اداء رسالته، وافتقاره للمعايير التي تؤهله للقيام بدور تنويري لصالح المجتمع، وهو ما تشجعه بعض الاوساط لإشباع غريزة الثأر من الصحافة الجادة التي تسلط الضوء على مواطن الفساد، وتحلم بمجتمع فاضل وتروج لنهضة حقيقية.. وهي الصحافة التي تستحق ان تكون صاحبة للجلالة، أما الاخرى فهي عش للدبابير.