الصيف هذا العام حار، حار، حار جداً، وعلى كل المستويات، بدءاً من اليابان وانتهاء بواشنطن، مروراً بكل بقع واقاليم العالم الثالث والنامي والنايم، والمتخلف، والمتصارع والمتصالح، وهو حار على السياسيين اكثر مما هو على عامة الناس والفقراء، فهؤلاء اعتادوا على المصاعب والازمات حتى اصبحت جزءا من تفاصيل حياتهم يتخلصون منها بوسائلهم الشعبية المتداولة! اما صيف السياسيين ورجال المناصب فمتاعبه وحرارته مختلفتان، وهو عندنا كما هو عند كل أمم الارض، فمن المحاكمة المنصوبة على سن ورمح للارهابي شارون في العاصمة البلجيكية بروكسيل، الى محاكمة السفاح سلوبودان ميلوسيفيتش، مروراً بالازمة المالية التي تعصف بمستقبل جاك شيراك الرئاسي والتى تتفنن فيها صحف فرنسا للنيل من خليفة ديجول، بسبب التهمة التي يوجهها له القضاة الفرنسيون بأنه دفع اموالاً طائلة وبطريقة (الكاش موني) كما يسمونها عندما كان رئيسا لبلدية باريس بين 1992 و1995، والدفع نقداً معيبة على السياسيين في دولة قانون كفرنسا!! وفي الوقت الذي يعتقد فيه عشاق المال السهل والمناصب الرفيعة بأن الحصانات البرلمانية والسياسية سوف تحميهم وتحول دون تعرضهم للمساءلة والمحاكمة والاستجواب من قبل قضاة مجهولين صغار لا يعلم عنهم احد شيئاً، فإن الواقع يقول شيئاً آخر، وقبل ان نتفاءل كثيراً فإننا ننبه بأننا نتحدث عن واقع غير واقعنا العربي حتى لا يأخذنا الأمل بعيداً!! ففي مقال سابق تحدثت عن ظاهرة منتشرة بين رجال السياسة والمناصب في دولة القانون خاصة حينما يقعون متلبسين بالجرم المشهود مثل : الاختلاس من المال العام، وقضايا الفساد والرشاوى والتمويلات الاجنبية أو المجهولة لحملات انتخابية كتلك التي اطاحت بسمعة المستشار الالماني السابق هيلموت كول. هذه الظاهرة هي محاولة (التطهر) من الجرم امام الرأي العام باحدى ثلاث طرق (بحسب درجة الجريمة أو حساسية وحياء مرتكبها!) والطرق هي: الانتحار أو الاستقالة أو تقديم اعتذار علني للجمهور المعني، وهذا سلوك غير متعارف عليه عندنا لذلك قلت يومها اننا كشعوب مسالمة وطيبة ووديعة جداً، نكتفي ببيان توضيح من احد المسئولين الكبار عما حدث من تجاوز أو مخالفات. نحن اليوم نتابع حالة الكر والفر بين مدققي ديوان المحاسبة وادارة التعليم الفني في وزارة التربية والتعليم، سببها اموال عامة رصدتها الدولة لتطوير مدارس التعليم الفني في الامارات، وقد اوكلت المهمة لشركة المانية لعمل دراسة وافية حول الموضوع، وهناك وجود شبهة ما حول الشركة الالمانية والشخص الكافل لها! والأهم ثبات فشل الدراسة الالمانية من جميع الوجوه، ما دفع لتقييم الدراسة أولا وفتح ملفات شائكة ثانيا، والامر مازال عالقا بين الديوان والوزارة التي ترفض فتح الملفات واطلاع المدققين على سير وآليات صرف الملايين التي خصصت لتطوير التعليم الفني ويبدو انها اهدرت بشكل أو بآخر! صيف ادارة التعليم الفني حار جداً، وما عليها سوى ان تتعاون مع الديوان بعيداً عن حجج غلق المدارس والمخازن بسبب العطلة الصيفية، فهذه حجج تعطيلية لكسب الوقت ليس إلا! اما كسب الوقت لأي هدف؟ فهذا سؤال جوابه متروك للعالمين ببواطن الامور، مع ان الاستقالات الاخيرة وحفلات التكريم قد اشبعت تحليلاً وتمحيصاً من قبل الناس في كل مكان، ولا فائدة سوى المصارحة والمكاشفة والاعتراف بالخطأ، ان لم يكن علنا ـ يا سادة يا كرام ـ فأمام مدققي ديوان المحاسبة على الاقل! ولكم في الرئيس الفرنسي مسيو شيراك عبرة، فهذا الرئيس العالي المكانة والشأن مطالب بتوضيح مصادر تمويل سفرياته التي دفعها نقداً عندما كان رئيس بلدية، مع توضيح ضروري لمصادر البقشيش التي كان يدفعها لجرسونات مطاعم جزر موريشيوس عندما كان يستجم فيها!! لك الله يا شيراك! وانتم ايضاً يا اصحاب التعليم الفني! Aisha@albayan.co.ae