هكذا حال العلاقات المصرية السودانية منذ الاستقلال الناجز للبلدين عام 1956، حينا تزدهر كلما نضجت الرؤية العقلانية وتوافرت الارادة السياسية المشتركة، وأحيانا كثيرة تجنح للخلافات والمعاندة العبثية ونذر القطيعة على الصعيد الرسمي، ولعله من هنا لم يكن ثمة وجه للدهشة أو التعجب في إعلان الرئيس عمر البشير (أن بلاده لن تقبل بأقل من الوحدة مع مصر) خلال لقائه بالدكتور عاطف عبيد على هامش اجتماعات اللجنة العليا للبلدين مؤخرا بالخرطوم، وهي نقلة نوعية في فكر نظام الانقاذ، تتناقض جملة وتفصيلا مع موقفه وممارساته العدائية ضد مصر على مدى حقبة كاملة، وتراوحت بين إيواء ودعم عناصر الارهاب الأصولي في مصر، والتورط في محاولة إغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا، والتهديد بتدمير السد العالي وحرمان مصر من مياه النيل، ومرورا بالغاء التعليم المصري في السودان والاستيلاء على مؤسساته، وكذا استراحات رجال الري والدبلوماسيين، وهكذا تقلص عدد المصريين الى بضع أفراد بعد أن كانوا بالآلاف في السودان الشقيق! حسنا إذا انفراج أزمة العلاقات وعودة المياه الى مجاريها الطبيعية فالعود - كما يقولون - أحمد، بل الى حد التوقيع على بروتوكول للتعاون بين البلدين تضمن 15 اتفاقية للتنمية المشتركة، وارساء قواعد جديدة وأسس استراتيجية ثابتة للعلاقات في المستقبل، تجنبها تغيير الأنظمة والحكومات والسياسات، وتؤمن لها فرصة التنامي والازدهار الى غير رجعة، لكن يظل غياب البعد الشعبي والديمقراطي سيفا مسلطا يتهدد هذا الانجاز بالالغاء والتراجع الى المربع الأول على غرار ما حدث في السودان أعقاب سقوط نظام الرئيس جعفر نميري عام 1985، والغاء حكومة الصادق المهدي ميثاق التكامل بين البلدين وكل الاتفاقيات والمشاريع المشتركة في هذا الاطار، الأمر الذي يفرض عرض ما توصلت اليه اللجنة العليا المشتركة من انجازات تكاملية واستراتيجية للمناقشة والتقييم على الصعيد الشعبي حتى تكتسب شرعيتها وديمومتها، خاصة وأنها تزامنت من حيث التوقيت مع استفحال الصراع السياسي والعسكري في السودان، واطلاق مصر وليبيا مبادرة دبلوماسية في المقابل، تتوخى الحلول الملائمة لانقاذ السودان من شفا التقسيم والضياع، وتتقاطع مع غيرها من المبادرات أو المؤامرات التي تسعى الى تصعيد الحرب الأهلية المستعرة بين الحركة الشعبية بزعامة العقيد جون قرنق والقوات الحكومية، ايذانا بتدويل الأزمة على غرار أزمتي الصومال والبلقان! والحقيقة أن قبول مختلف الفرقاء السودانيين بالمبادرة المصرية الليبية نابع من عاملين أساسيين، الأول إدراك الحكومة والمعارضة لتصاعد المخاطر التي باتت تتهدد السودان، وأن المبادرة تمثل طوق النجاة الوحيد والمقبول أيضا، خاصة وأنها لا تفرض أجندة خاصة لحل الأزمة، وإنما تدعو فحسب الى حل سوداني صرف عبر الحوار التفاوضي الشامل بين القوى السياسية دون استثناء، والعالم الثاني ويكمن في إدراج المبادرة حيز التنفيذ عبر المذكرة التفسيرية التي تقدمت بها مصر وليبيا مؤخرا واشتملت على ثمانية بنود، لعل أهمها الوقف المتبادل لاطلاق النار، وتشكيل حكومة قومية انتقالية تكون مهمتها مراجعة الصيغة الراهنة لدستورية الحكم والاعداد لانتخابات نيابية جديدة، والتحضير لمؤتمر الحوار التفاوضي الشامل حول جوانب الأزمة، مع اقرار الجميع بالحفاظ على وحدة السودان كأساس للتسوية، مما أعطى انطباعا اقليميا ودوليا بفرض استقرار الأوضاع في السودان، وانعكاساتها الايجابية عبر عودة تسيير خطوط الطيران العالمية الى الخرطوم وبالعكس، وعودة منظمات الاغاثة لمباشرة نشاطاتها، مع ترقب زيارة المبعوث الأمريكي للشئون الانسانية أندرو ناسيتورس للسودان و.. وأول الغيث قطرة، لكن تظل المخاوف ماثلة حول امكانية حسم الخلاف المزمن بين المعارضة ونظام الانقاذ الذي يصر على استبعاد العلاقة بين الدين والدولة، وبين الحركة الشعبية وكل من مصر وليبيا واصرارهما على استبعاد منح حق تقرير المصير للجنوبيين مؤقتا، والرهان على انحيازهم لوحدة السودان فيما لو نجح مؤتمر الحوار الشامل في إنصافهم من الغبن والمظالم التاريخية والقسمة العادلة للثروة والسلطة والتنمية المتوازية بين أبناء السودان في مختلف ربوعه. وإذا كان المطلوب من دولتي المبادرة تسريع وتيرة قيام آلية متفرغة ومقتدرة لتفعيلها على أرض الواقع، فالمطلوب من النظام الحاكم والمعارضة النأي عن أساليب المراوغة والتحفظات ونكأ جراح الماضي والمصادرة على المطلوب، وانكار الجميع لذواتهم ومصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة، وأن يكون معيار إنقاذ السودان وإعادة بنائه المجال الوحيد للتنافس والبذل والعطاء! ـ كاتب وصحفي مصري