حينما كتب المفكر الأمريكي (الياباني الأصل) فرنسيس فوكوياما كتابه عن «نهاية التاريخ والإنسان الكامل»، وذلك بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي واعتبار ان الرأسمالية الغربية تمثل قمة التطور الإنساني، لم يكن فوكوياما أو غيره من المتطرفين الليبراليين يعتقد ان التيارات الماركسية والاشتراكية سوف تنهض من جديد في محاولة منها لاستعادة دورها في مناهضة الرأسمالية التي تحاول أمريكا وأوروبا ترويجها في أنحاء المعمورة باسم العولمة التي هي في حقيقة الأمر محاولة فرض النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد ونظم الحياة على جميع الأمم والشعوب، ومن ثم فهي وجه آخر من وجوه الاستعمار الغربي من وجهة نظر العديد من المحللين السياسيين والمنظرين الغربيين. وهذا ما أكد عليه صموئيل هنتنجتون في كتابه «صراع الحضارات» بأن أمريكا وأوروبا تسيران المنظمات الدولية كالبنك الدولي وهيئة الأمم ومجلس الأمن، وفق ارادتهما باسم الأسرة الدولية التي يجب عليها أن تنصاع وراء الغرب وإلا فهي تعد عدوة يجب الحذر منها والاستعداد لها. وهذا ما نلمسه بوضوح أيضا في أعمال بعض الساسة في الغرب مثل كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي صدر أثناء حرب الخليج بعنوان «الفرصة السانحة» ويدعو فيه أمريكا لتثبيت قواعدها في الشرق الأوسط لضمان مصالحها في المنطقة. الأحزاب الاشتراكية والشيوعية التي عقدت مؤتمرها السنوي في جامعة لندن في الفترة من 7-13 يوليو الجاري رفعت العديد من الشعارات المناهضة للعولمة والرأسمالية الغربية، كما رفعت شعارات تندد باجتماع مجموعة الثمانية المزمع عقده بجنوة بايطاليا في 21، 22 من يوليو الجاري. ومن هذه الشعارات «عالمنا ليس للبيع»، «ضعوا كل مجرمي الحرب في السجن»، «أوقفوا المجزرة ضد الأبرياء في فلسطين»، «أين منافقو الغرب من أزمة البلقان»، «الرأسمالية تعني البطالة»، «ماذا جنى العالم من العولمة غير الكساد الاقتصادي». وقد صنعت بعض هذه الأحزاب صورة كبيرة مجسمة للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وعلقتها على الجدران تحت عنوان «عدو الشعب الأول». في حقيقة الأمر حينما ذهبت إلى جامعة لندن في العاشرة من صباح يوم السبت السابع من يوليو (وهو بداية الاجازة الاسبوعية لكن المكتبة تفتح أبوابها للباحثين في ذلك اليوم) ظننت ان ماركس بعث من جديد، وذلك لما شاهدته من يافطات واعلانات تكسو جدران جامعة لندن بكاملها وفي كافة المباني بالشعارات المعادية للعولمة وللرأسمالية الغربية وتنادي بحقوق العمال وتدعو إلى الحل الاشتراكي للأزمات السياسية والاقتصادية التي يواجهها العالم في العديد من الأقطار والبلدان في عالمنا المعاصر. وقد نظمت هذه الأحزاب الماركسية والاشتراكية المحاضرات طوال أيام الاسبوع في العديد من مدرجات الجامعة تتحدث في موضوعات مثل الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية والعولمة الدافئة بين كويزومي رئيس وزراء اليابان الجديد وبين بوش الرئيس الأمريكي أو ما الأسباب التي أدت إلى تحول التاريخ؟ العمال في أمريكا، السياسة والصراع الطبقي، الاشتراكية بين الانتخابات البريطانية، الثورة الفرنسية ومولد الديمقراطية وغيرها من العناوين. وقد حضر هذه الاجتماعات وخصوصا في أيام الاجازة الاسبوعية (السبت والأحد) أكثر من خمسة آلاف مواطن بريطاني جاءوا من مختلف المدن والولايات في انجلترا كأيرلندا وويلز ودرمنجهام وغيرها من المدن، والملفت للنظر في هذه الجماعات أو الأحزاب الاشتراكية انها تضم العديد من الأجيال الجديدة جنبا إلى جنب من المخضرمين، فهناك شباب لم يتجاوز العشرين وقف يدافع عن الاشتراكية بحماس ويرى انها المستقبل الذي سيأتي بالحلول لمشاكل العالم السياسية والاقتصادية. وفي المحاضرات الكل يحرص على النهج الثوري المفعم بالحماس والذي يثير الجماهير ويشعل حماسها ويردد شعارات ماركس ولينين وانجلز بقوة وبإيمان واصرار، كما حرصت كل هذه الأحزاب والجماعات الماركسية والاشتراكية على صور جيفارا الماركسي الثوري مناصر الاتجاهات الثورية في العديد من أنحاء العالم وكذلك صور الرئيس الكوبي فيدل كاسترو باعتباره أبرز الماركسيين وأحرصهم على النهج الثوري في عالمنا المعاصر. لكن المشكلة الملفتة للنظر ان هذه الأحزاب والجماعات الماركسية والاشتراكية منقسمة على نفسها، فكان هناك أكثر من عشرة أحزاب وجماعات مثل الحزب الاشتراكي وحزب العمل الاشتراكي والعالم الاشتراكي، الاتحاد العالمي للعمال، الماركسية الجديدة، نحو يسار جديد واشتراكية جديدة، وحينما تناقشت مع بعض أفراد تلك الجماعات وسألتهم لماذا لا تتحدوا في حزب واحد حتى تكونوا أكثر قدرة على مواجهة العولمة والرأسمالية بدلا من التشرذم والتشتت، فكانت الاجابة من العديد من أفراد هذه الجماعات والأحزاب ان هناك اختلافات شديدة بين أيديولوجيات وتوجهات هذه الأحزاب بعضها عن البعض الآخر، وكل فريق يسفه آراء الآخر لدرجة انه كادت تحدث اشتباكات بين مجموعة شباب الحزب الماركس وفتاة من حزب الاشتراكية العالمية لانها قالت ان الدخول السوفييتي إلى أفغانستان كان احتلالا لدولة، فتصدى لها اثنان من شباب الحزب الماركسي بالقول بأن الدخول السوفييتي إلى أفغانستان كان لانقاذ تلك الدولة من أيدي الجماعات الإسلامية التي تعاونت مع المخابرات الأمريكية لمواجهة الوجود السوفييتي في أفغانستان. قلت للشباب وماذا يسمى الوجود السوفييتي في أفغانستان أليس احتلالا لسيادة دولة؟ فقال: ان ماركس ولينين أكدا على ان الأفكار التحررية يجب أن تسود العالم وتحرر الأمم والشعوب من العبودية والخضوع. قلت له هذا هو نفس الشعار الذي تردده العولمة والرأسمالية الغربية التي اجتمعتم هنا لمناهضتها، فهي تدعي ان الليبرالية الغربية والديمقراطية يجب أن تسود العالم وتخلصه من الرجعية والتخلف فما الفرق بينكم وبينهم؟ سكت محدثي ثم تركني وعاد إلى مكانه. في جوابي عن سؤال وجهته للكثيرين من أفراد تلك الأحزاب: هل من الممكن أن تعود الاشتراكية والماركسية من جديد لتواجه الرأسمالية الغربية كما كان عليه الوضع في الفترة السابقة؟ الكل كان يجيب بتحفظ ولما لا؟ التاريخي يحل المعجزة وكل شيء ممكن، لكن الوحيدة التي كانت واثقة من ذلك هي فتاة من حزب العمال الاشتراكي أكدت ان المستقبل للاشتراكية وأخذت تبرهن على ذلك بالانتكاسات التي حلت بالاقتصاد العالمي في الفترة السابقة كأثر من آثار الرأسمالية التي تكرس المال في أيدي فئة قليلة تسيطر وتحكم، على حين تطرد مئات الآلاف من العمال إلى الشوارع بلا عمل. وحين تركتها وانصرفت قلت في نفسي: أتمنى أن أصدقك ولكن خلافاتكم وصراعكم وتمسككم الأجوف بشعارات ماركس ولينين وانجلز يجعل من ذلك أمرا مستحيلا. ـ كاتب مصري ـ جامعة الامارات