منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عادت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الى واجهة المشهد السياسي الروسي بقوة. وكما هو متوقع، أعادت روسيا، بعد قليل من صدمة الانهيار، صياغة رؤيتها لهويتها. وهي الصياغة التي احتل فيها المكونان السلافي والأرثوذكسي دورا رئيسيا. وتحليل الدور الروسي ـ الأرثوذكسي، والعرقي المذهبي في حرب البلقان يؤكد هذه الحقيقة، فبعد طول نفي لهذين البعدين، عادت روسيا دولة يدين معظم سكانها بالمسيحية على المذهب الارثوذكسي. وبغياب الأممية زادت أهمية الانتماء العرقي في الواقع السياسي الروسي، وقد حاولت الولايات المتحدة طوال سنوات حكم يلتسين أن تستغل التحول عن النظام الشمولي والأزمة الاقتصادية التي تمر بها روسيا منذ سنوات، لإجبارها على فتح الأبواب أمام نشاط المبشرين المسيحيين من مختلف المذاهب المسيحية، وخاضت الدولة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية معا حربا ضارية ضد محاولات الولايات فرض قانون للحريات الدينية يحقق هذا الغرض! ورغم أن معركة قانون الحريات الدينية توارت واحتلت مكانها قضايا أخرى في ملف علاقات روسيا بالغرب، فإن الهاجس لم يزل يلح على النخبة الرسمية الروسية في الكرملين والكنيسة على السواء. وحسب احصاءات مصادر كنيسة روسية فإن طائفة واحدة هي شهود يهوه انتشرت في روسيا وزاد أتباعها بمعدل30% بين عامي 1991 و 1997، وهو رقم مذهل وقد أصبحت خامس أكبر المجموعات المسيحية في روسيا. وخلال السنوات المشار اليها كان شهود يهوه يوزعون ما يقرب من 5000 طن مطبوعات سنويا في روسيا وحدها، ويمتد نشاط شهود يهوه في بولندا وجورجيا وغيرهما من الجمهوريات المجاورة لروسيا يفوق عددهم في بولندا مجموع عضوية الكنائس الانجيلية مجتمعة، ويعتمد شهود يهوه على آلة تبشير شديدة الضخامة، فكل أعضاء الطائفة وعددهم 5.8 ملايين ينشطون في العمل التبشيري وبينهم 700 ألف يتعهدون بالعمل خمسين ساعة شهريا.. لنشر المذهب وترويج مطبوعاته، وينشر شهود يهوه رسالتهم في أكثر من 300 لغة يضاف اليها سنويا من 18 الى 25 لغة. وبهذه القدرات الضخمة تمكنوا من تحقيق نجاحهم في روسيا التي ما زالت تعاني توابع زلزال انهيار الاتحاد السوفييتي. العاصمة الجورجية تبليسي دخلت على خط المواجهة مع شهود يهوه لكن بأسلوب مختلف، فحسب تقرير صدر حديثا عن (منظمة العفو الدولية فبراير) فإن شهود يهوه هدف لعمليات اعتداء بدأت منذ سنوات، ولم تتوقف. تقرير المنظمة يتضمن وقائع اعتداء على أتباع المذهب من جانب أرثوذكس متشددين يزعجهم ما يقومون به من نشاطات تبشيرية، ومن أشهر هؤلاء الأب مكالا فيشفيلي الذي يتهمه تقرير المنظمة بقيادة حملات هجوم منظمة طالت أتباع طائفة شهود يهوه، والمنظمة تتهم أجهزة الأمن الجورجية بالتستر على أفعال الأب مكالا فيشفيلي الذي بلغت سطوته حد اقتحام محكمة كانت تنظر قضية تتصل بالطائفة. والصراع المذهبي بين الأرثوذكس وشهود يهوه مركب فيه أبعاد عديدة، وما يهمنا في المقام الأول أن شهود يهوه طائفة جديدة نسبيا تعتبرها المذاهب المسيحية مسيحية محرفة محرفة. غير أن الأبعاد السياسية لهذا الصراع ، وهو شأن مسيحي ينبغي النظر اليها بوصفها قضية مهمة للعرب والمسلمين، فهذه الطائفة يشكل المكون اليهودي أحد أهم سماتها، وينظر اليها - غالبا - بوصفها أحد أذرع المشروع الصهيوني. ولذلك فإن حالة الاضطراب التي تعتري علاقة الدولة الروسية بالأقلية اليهودية لا تنفصل عن هذه القضية، ومن الضروري البحث عن صيغة تساعد على مواجهة نشاط هذا المذهب الذي يستهدف وضع اليارمولكا على رأس كل مسئول روسي. انه صراع مهم سنتأثر بنتائجه شئنا أم أبينا. ـ كاتب سياسي مصري