عندما أتى رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الى السلطة بدأ العرب يعقدون المقارنات بينه وبين اسلافه محاولين الوصول الى النتيجة الواضحة وهي ان شارون رجل حرب، وكأن الذين سبقوه كانوا رجال سلام! والآن بعد ان فشل في قمع الانتفاضة في ايامه المئة التي حددها لغرضه، بدأ مسلسله الجديد الذي يلوح بركنه المهمل «ضبط النفس مع وقف اطلاق النار» في مشهديته الواضحة التي تدعو الى القضاء على الفلسطينيين بشتى الوسائل المتاحة، وهو بذلك يعلن صراحة بدء اطلاق النار والعودة الى مجازر جديدة طالما كان يرتكبها في الماضي، وليست أولها او آخرها «صبرا وشاتيلا». وإذا كنا سنقول مرة اخرى انه رجل اغتيالات ضمن خطته بتصفية القادة الميدانيين الفلسطينيين العاملين في القلب الحي للانتفاضة، فإن مسلسل اغتيالات القادة الفلسطينيين لا يقف عنده سابقا او لاحقا لأن المراجع لتاريخ الغدر الصهيوني يرى العجائب منذ التصفيات التي كانت تقوم به العصابات الصهيونية في فلسطين قبل عام 1948 والى هذه اللحظة بالذات. ومرجعية هذه العمليات ترد في الايديولوجية التوارتية والتعليم الديني الذي يتنامى باستمرار مع التعليم اليومي السياسي والاجتماعي بمحاولات ما زالت مستمرة لغرض «الثقافة الغدرية» في مفهوم بناء الدولة الصهيونية. ترويج داخلي لعل الشارع الاسرائيلي الذي احس بالقلق وفقدان الامن كنتيجة مباشرة للانتفاضة الفلسطينية المقاومة قد جلب الى رئاسة حكومته اليميني المتطرف ارييل شارون الليكودي والذي بدوره قام بطبخة سياسية مشكلا ما يسمى «بحكومة الوحدة الوطنية»، ما يجعله يتشبث بمخالبه بكل الآراء والافكار والرؤى التي يطرحها الشارع الاسرائيلي ضمن معادلة ممثل لكل فئة. وبهذا المعنى فقد احاط نفسه بحماية ضد اي قرار يتخذه وهو لا يعني بالتأكيد ان تلك الحكومة تضم معتدلا واحدا، بل هي في واقع الامر توزع الادوار الشارونية على الشارع الاسرائيلي كما توزعها على الحكومات الغربية، وهذا ما يتوضح في مطبخ الاغتيالات الذي عقده المجلس الوزاري المصغر. وفي هذا السياق يمكن قراءة الافكار المطروحة قبل الاشعار العلني لمسلسل الاغتيالات فالمجلس المصغر مؤلف من ثلاثة عشر وزيرا اضافة الى مسئولي الاجهزة الامنية وهم في الغالبية المطلقة من اليمين الاسرائيلي المتطرف، لذلك فقد طرحت عدة خيارات نستطيع من قراءتها الاولية ان نقول انها جميعا مغالية في التطرف، اشدها اعلان الحرب على السلطة الفلسطينية والتوسع فيها دون النظر لأية احتمالات تنشأ عن هذه الحرب حتى على المستوى الخارجي كمعارضة الولايات المتحدة وأوروبا، ولعل اعلان مثل هذه الحرب يرضي كثيرا معظم التيارات الصهيونية التي باتت تطالب بالابادة الجماعية للشعب الفلسطيني دون تمييز، وإن تحديد القيادة الفلسطينية يعني في طرفه المقابل انهاء تاما لأية اتفاقية تفاوضية مما يعكس تلك الرغبة الواضحة بعدم استمرار عملية التسوية. ولعل الاقتراح الثاني يأتي من خلال الفصل الامني التام للمناطق المحتلة وزيادة الحصار على المنطقة «أ» مع فصلها وهي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وهذه الخطوة لا تختلف عن سابقتها الا بكونها تسعى الى افناء بطيء للشعب الفلسطيني. اما الاقتراح الثالث فهو الاقتراح الذي استبعد مباشرة وباتفاق جميع اعضاء المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر، لأنه يضع قضية الصراع امام طاولة الامم المتحدة كونه يسعى في مضمونه الى ادخال قوة فصل دولية، ولهذا فإن اسرائيل لن توافق عليه لأنها بطبيعة الحال وعلى ما يبدو لا تريد التوقف عن عملياتها الارهابية سواء في مشروعها الاغتيالي او مشروعها التدميري. بنية متناقضة والاستغراب الاكبر ينبع من الاقتراح الرابع الذي وافق عليه المجلس، حيث يصر على العمل بطبيعة الوضع الراهن والتمسك بوثيقة تينيت وتقرير ميتشيل وتوسيع الرد العسكري الاسرائيلي. وهذا الاقتراح وافق عليه وزير الخارحية شيمون بيريز وهو الذي يعتبر الاكثر اعتدالاً في هذا المجلس!! ولكن الا نرى في هذا الاقتراح قمة التطرف والمراوغة؟ فرغم ان تقرير ميتشيل ووثيقة تينيت لا تحققان ادنى حلم فلسطيني مع الاشارة الى موافقة السلطة عليهما، فإن اسرائيل في اقرارها الاقتراح الاخير تسخر من العالم اجمع، فهي تريد العمل بالوضع الراهن او كما تسميه (الدفاع الذاتي النشط) بمعنى انها ستبقى في حالة استنفار ضد الفلسطينيين من جهة واستنفار في بناء المستوطنات من جهة اخرى. وهذا بالتأكيد يتناقض مع (ميتشيل وتينيت) اضافة الى توسيع الرد العسكري والاغتيالات التي قالت عنها اسرائيل «انها لا تشكل خرقاً لتوصيات ميتشيل وخطة تينيت ولا لقرار وقف اطلاق النار»؟! فهل يتخيل اي انسان ان ذلك واقعاً سياسياً يمكن ان يقرأه اي شخص ويجد له مبرراته التي تروجها اسرائيل؟! لعل ذلك يوضح تناقضاً داخلياً في بنية الحكومة الاسرائيلية التي تسعى بكل جهدها كي تقدم طبخة جاهزة سواء للشارع الاسرائيلي او للغرب وأوروبا تحديداً. والنتيجة ان شارون اراد ان يدخل في انفاق جديدة لا يعرف نهايتها لتحقيق الغاية الدموية ضمن تلك الحرب الجديدة التي اعلنها على القادة الفلسطينيين، وبالاخص العسكريين الذين حددتهم الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) وكان عددهم 26 فلسطينياً بشكل مؤقت ويزيد هذا العدد مرحلياً، وهم من حركة فتح وحماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اضافة الى ضرب اربعين هدفاً استراتيجياً في المنطقة «أ».والحالة الاولية التي يمكن استنتاجها ان اسرائيل تريد ادراج عقوبة الاعدام دون ان تضيفها الى قانونها، وحالة الاعدام هذه لا تطبق الا على الفلسطينيين حسب القانون الاسرائيلي الجديد. ـ كاتب فلسطيني