من الواضح ان رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون لا يستطيع ان ينفذ تهديده باجتياح الاراضي الفلسطينية. واول العقبات التي تحول دون ذلك، هي موقف المجتمع الدولي، الذي لا يسعه ان يتقبل فكرة من هذا النوع. اما ثاني العقبات فهي انعدام النتائج على المستوى السياسي والأمني. فماذا ستفعل اسرائيل بعد اقتحام المناطق الفلسطينية، وكيف ستتصرف تجاه حقيقة احتلالها للأراضي الفلسطينية. وثالث العقبات هي ان ردة فعل الفلسطينيين وربما بعض العرب قد تخرج عن نطاق الحسابات الاسرائيلية. اما آخر عقبة فهي ان تدمير السلطة الفلسطينية ليس من شأنه ان يقضي على خصم تراه الحكومة الاسرائيلية مزعجا فحسب، لكن من شأنه ايضا ان يقضي على مرحلة كاملة من الاتفاقات والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية والتي عرفت حتى الآن باسم اتفاقات اوسلو. اي اعادة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الى مرحلة ما قبل التسوية السلمية. وهذا خيار يحرم اسرائيل نفسها من العثور على طرف فلسطيني، يملك الشرعية، مستعد للتعامل معها. ولكن بالمقابل اذا كانت حكومة شارون غير قادرة على اجتياح مناطق السلطة الفلسطينية، فهل يعني ذلك ان الامور الخطيرة قد استبعدت؟. الواقع ان الوضع الحالي لا يقل خطورة عن الاجتياح. فهناك الحصار الشامل والقاسي الذي تفرضه اسرائيل على الفلسطينيين، وهناك هدم المنازل وتشريد ساكنيها وهناك الاغتيالات التي تطال نشطاء الانتفاضة واستمرار مصادرة الاراضي وقصف منشآت السلطة، وعمليات الاذلال والإهانة التي توجهها حكومة شارون يوميا الى الفلسطينيين. ان جميع هذه الممارسات تدفع بالواقع السياسي بين الطرفين الى مستوى غير مسبوق من التأزم والتعقيد، ويدخله في حلقة مغلقة من العنف والعنف المضاد وبما يستبعد في النهاية اي حل على المدى القريب. ان احد الاسئلة المحيرة حتى الآن هي لماذا رفض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مقترحات الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون والتي طرحت في قمة كامب ديفيد اواخر العام الماضي، وهي التي في ضوئها اعلنت حكومة ايهود باراك استعدادها للانسحاب من اكثر من خمسة وتسعين في المئة من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، بما في ذلك اجزاء كبيرة من القدس الشرقية، في الوقت الذي يقبل فيه عرفات بالتفاوض مع ارييل شارون وهو الذي تعهد مرارا خلال الحملة الانتخابية بأن لا يعطي الفلسطينيين اكثر من 42 في المئة من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة؟ والأكثر مدعاة للاستغراب هو قبول السلطة الفلسطينية بتقرير اللجنة التي يرأسها السيناتور الامريكي السابق جورج ميتشيل والمسماة باسمه، كأساس للعودة الى المفاوضات السلمية، رغم ان تقرير لجنة ميتشيل لا يحدد نوعية المفاوضات وهدفها ومن أية نقطة ستبدأ. وهو الأمر الذي لم يتفوه به ايضا اي من رسل الادارة الامريكية الى المنطقة؟ البعض يقول ان رفض عرفات لمقترحات كلينتون جاء بناء على نصائح قدمتها له عواصم عربية، رأت ان دورها في المنطقة قد يصيبه بعض التراجع والانكماش، في حال تم التوصل الى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين. والبعض الآخر يقول ان الامر يعود برمته الى عرفات نفسه، الذي راهن على انتزاع مكاسب اضافية من باراك، اذ كان هذا الاخير يواجه معركة شرسة في موازاة خصمه مرشح تكتل الليكود ارييل شارون في الانتخابات الاسرائيلية التي جرت اوائل هذا العام، وكان بحاجة الى انجاز اتفاق سلام مع الفلسطينيين بأي ثمن، ليس فحسب للفوز في تلك الانتخابات، وانما أيضا لانقاذ مستقبله السياسي والبروز كزعيم اسرائيلي تاريخي. بيد ان رفض عرفات تلبية رغائب باراك لم يتوقف عند حد التسبب في خسارته للانتخابات وانما قضى كذلك على مستقبله السياسي، وأظهره اكثر خسرانا حتى من شيمون بيريز الذي تمرس في الفشل وخسارة الانتخابات على مدى اعوام وأعوام. وهنا تكمن مفارقة جديرة بالتأمل. وهي انه ليس الرئيس الفلسطيني وحده من اشترك في تدمير باراك، الواقع ان الاسرائيليين ايضا قرروا بدورهم معاقبته على عروضه للفلسطينيين، التي اعتبروها تنازلات غير محتملة، سيما في موضوع القدس. كما قرر الجمهور الاسرائيلي ان يعاقب احزاب اليسار التي انهارت تقريبا، وبحيث لم يعد في اسرائيل، ربما منذ فترة طويلة، سوى حزب واحد وصوت واحد، هو للاسف يميني وعنصري في نبراته وتوجهاته، علاوة على ان من يقوده هو شارون وليس غيره! وربما هذا هو سبب الحقد الذي يكنه باراك لعرفات والذي تجلى في تصريح ادلى به قبل ايام قال فيه ان السلام مستحيل مع الفلسطينيين ما دام عرفات على رأس السلطة الفلسطينية! اما السؤال المحير الثاني، فهو: اذا كان الرئيس الفلسطيني قد رفض مقترحات كلينتون لانه رأى فيها اجحافاً بحق الفلسطينيين، خاصة فيما يتعلق بحق العودة للاجئين الذين رفضت حكومة باراك الاعتراف به، فلماذا لا يرفع عرفات الآن شعار العودة الى المفاوضات مع اسرائيل من النقطة التي انتهت عندها؟ ولماذا لا يطرح عرفات شعار إنهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية عام 1967 بصورة مباشرة واكيدة بدلا من التلهي بتقرير ميتشيل وخطة تينيت «مدير الاستخبارات الامريكية»؟ ان الأمر المتوقع هو ان يطالب الفلسطينيون اليوم باستقلال دولتهم وتحرير اراضيهم، بعد عشر سنوات من المفاوضات السلمية غير المجدية، وبعد اكثر من ثلاثين عاما من الكفاح المسلح، لكن السلطة الفلسطينية للاسف تبدو غير مستعدة وغير مهيأة حتى الآن لمثل هذه المطالبة، وتفضل بدلا من ذلك السير في طريق تلبية المطالب الاسرائيلية والأمريكية. وأيا يكن الحال وعلى الرغم مما يبدو عليه الوضع الحالي من افاق كارثية على الفلسطينيين بسبب انغلاق افق الحكومة الاسرائيلية الحالية واطلاقها العنان لجيشها وقطعان المستوطنين للقيام بأعمال اجرامية ضد الشعب الفلسطيني، غير ان المؤشرات جميعها تقول ان الفلسطينيين والاسرائيليين سيعودون الى طاولة المفاوضات آجلا ام عاجلا. فهناك اكثر من عاصمة عربية تدفع في هذا الاتجاه، يضاف اليه ان المزاج الاوروبي والامريكي يميل الى التمسك بتقرير لجنة ميتشيل، واعتباره حجر الزاوية في الخروج من الوضع الراهن. ويبدو ان الجميع ينتظر المخرج المناسب. وقد يكون هذا المخرج عملية انتحارية فلسطينية قاسية يتلوها رد عسكري اسرائيلي اقسى، تنضج الظروف الملائمة لتدخل امريكي واوروبي اكبر يعيد الطرفين الى طاولة المفاوضات. عدا ان هناك تشوقا واضحا لدى اعضاء كثر في السلطة الفلسطينية للعودة الى هذه المفاوضات التي تخصصوا فيها. ومن المتوقع ان تكون هذه المفاوضات طويلة ومعقدة، وربما تستهلك فترة ولاية شارون في الحكم دون الوصول الى اي نتيجة. ان اخطر ما يحدث باعتقادي ليس فقط سياسة القمع والتدمير الاسرائيلية المستمرة، وانما بشكل اساسي تفويت السلطة الفلسطينية فرصة جذب الاهتمام والتركيز الدولي على الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، بدلا من تحويل الموضوع وهو ما يحدث حاليا، الى مجرد وقف اطلاق النار او المواجهات، كما لو ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي هما على قدم المساواة! ويكفي دلالة على ذلك ان احدا من المسئولين الاوروبيين او الامريكيين او غيرهم، لم يجد الدافع او الحاجة طوال الفترة الماضية الى الحديث عن ضرورة انسحاب اسرائيل من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وكل ما يمكن سماعه هو حديث عن التهدئة وضبط النفس وكبح جماح اعمال التطرف والعودة الى طاولة المفاوضات. وهنا يكمن نجاح اسرائيل الحقيقي وفشل السلطة الفلسطينية الحقيقي أيضا. ـ كاتب من البحرين